أولا: المرسوم بقانون رقم (13) للسنة 2024: فصل “الجنسية” عن القضاءيمثل المرسوم الذي صدر في 27 أغسطس 2024، واحدا من أكثر الخطوات جرأة في تاريخ البحرين التشريعي؛ فقد عدّل المادة (7) من قانون السلطة القضائية رقم (42) للسنة 2002، لتنص صراحة على أن “أعمال السيادة، بما في ذلك المسائل المتعلقة بالجنسية”، تخرج عن نطاق اختصاص المحاكم الإدارية.
ما فعلته البحرين هنا، هو إعادة تعريف لمبدأ “الفصل بين السلطات” في نقطة شديدة الحساسية؛ فالمشرع البحريني لم يُلغِ دور القضاء، بل أراد أن تكون مسائل الجنسية - وهي تتصل بكيان الدولة وأمنها - من اختصاص السلطة التنفيذية وحدها.
وقد تزامن ذلك مع توجيهات ملكية صريحة لمراجعة ملفات التجنيس.
يكتسب هذا المرسوم شرعيته من المادة (38) من دستور مملكة البحرين، التي تجيز إصدار مراسيم بقوانين في حالة ضرورة قاطعة تتطلب إجراءات عاجلة لا تحتمل التأخير، وفقا لمبررات الاستعجال التي أبرزتها المذكرة القانونية الصادرة عن هيئة التشريع والرأي القانوني (التي أُحيلت إلى مجلس النواب).
هذا التبرير يجعل المرسوم متماشيا مع شرط “الضرورة القاطعة” دستوريا، ويُخرج مسائل الجنسية من اختصاص القضاء الإداري.
كما يستند المرسوم، إلى الاستثناءات الواردة في اتفاقية خفض حالات انعدام الجنسية (1961)، التي تسمح بسحب الجنسية إذا تصرف الشخص بما يناقض واجب الولاء أو تسبب في ضرر خطير للمصالح الحيوية للدولة.
ثانيا: المقارنة الدولية وسوابق خليجية متقدمةهذا التوجه لم تكن منفرده به البحرين، بل يوازي ممارسات دولية ودول أخرى في المنطقة ويتسق مع تيار تشريعي أوسع في دول الخليج العربي:الإمارات العربية المتحدة: تنص المادة (16) من قانون الجنسية الإماراتي على سحب الجنسية عن المتجنس إذا “أتى عملا يُعد خطرا على أمن الدولة وسلامتها أو شرع في ذلك”.
الكويت: شهدت تعديلات قانون الجنسية الكويتية توسيعا لحالات سحب الجنسية لتشمل ما “استدعت مصلحة الدولة العليا أو أمنها الخارجي ذلك”، ونُفذت بموجبه حملة شاملة أسقطت جنسية أكثر من 42,000 شخص منذ 2024.
هذه السوابق تُظهر اعتبار مسائل الجنسية من “أعمال السيادة” واستبعادها من الرقابة القضائية هو اتجاه إقليمي راسخ وليس استثناء بحرينيا؛ ما يعزز موقف البحرين في الدفاع عن شرعية هذه الممارسات على المستوى الدولي.
ثالثا: موقف المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسانتتبنى المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان (Human Rights) نهجا متساهلا نسبيا في مراجعة قضايا تجريد الجنسية؛ ما يعكس هامش التقدير الواسع الذي تتركه للدول في مسائل الأمن القومي.
قضية 27801 / 19 Johansen v.
Denmark، كانت المرة الأولى التي تنظر فيها المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قضية تجريد مواطن وُلد ونشأ في الدولة من جنسيته (وليس مجرد متجنس).
وقائع القضية: Adam Hohansen دنماركي المولد والنشأة، حامل للجنسيتين الدنماركية والتونسية.
أدين بالسفر إلى سوريا كمقاتل لصالح تنظيم الدولة الإسلامية، وقضت المحكمة الدنماركية العليا في نوفمبر 2018 بتجريده من جنسيته الدنماركية وترحيله إلى تونس مع حظر دائم للعودة.
رفضت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان شكوى Hohansen، (27801/19 https: //hudoc.
echr.
coe.
int/eng؟ i=001-216316)، واعتبرت تجريده من جنسيته لم يشكل انتهاكا لحقه في احترام الحياة الخاصة والأسرية بموجب المادة 8 من الاتفاقية الأوروبية.
واعتمدت المحكمة “نهجا من مرحلتين” لمراجعة مشروعية التجريد:المرحلة الأولى: التحقق من عدم تعسف القرار (بما في ذلك توافقه مع القانون الوطني واحترام الضمانات الإجرائية).
المرحلة الثانية: الموازنة بين آثار التجريد على الحياة الخاصة للشخص والمصلحة العامة في مكافحة الإرهاب، مع منح الدول هامش تقدير واسع.
رابعا: السوابق الأوروبية في التجريد من الجنسية لأسباب تتعلق بالأمن القوميتُعتبر السوابق الأوروبية في مجال سحب الجنسية لأسباب أمنية مرجعا قانونيا مهما لفهم الاتجاهات الدولية المعاصرة في هذا المجال؛ فقد شهدت أوروبا منذ بداية الألفية الثالثة، خصوصا بعد هجمات 11 سبتمبر 2001، تحولا ملحوظا في مقاربة الدول لجنسية مواطنيها، حيث انتقلت من اعتبارها حقا مطلقا إلى امتياز قابل للمراجعة في حالات تهديد الأمن القومي.
الإطار القانوني والممارسة العملية في فرنسافرنسا تمتلك نظاما قانونيا راسخا لتجريد المواطنين من جنسيتهم بموجب المادة (25) من القانون المدني الفرنسي، التي تسمح بسحب الجنسية من الشخص المتجنس إذا ارتكب أفعالا تتعارض مع مصالح فرنسا الأساسية أو تشكل جريمة ضد أمن الدولة.
تركزت الإجراءات على ثنائيي الجنسية لتجنب خلق حالات انعدام الجنسية، إلا أنها تسمع بسحب الجنسية من أي مواطن (بما في ذلك المواطنون بالولادة) إذا صدر بحقه حكم قضائي بتهم تتعلق بالإرهاب.
وقد شهد العام 2024 رقما قياسيا في عدد حالات تجريد المواطنين من جنسياتهم، حيث تم تجريد 36 فردا من الجنسية الفرنسية.
وشملت هذه الحالات ثنائيي الجنسية الذين صدرت بحقهم أحكام قضائية بتهم تتعلق بالإرهاب.
الممارسات القضائية البريطانيةيمنح قانون الجنسية البريطاني للعام 1981 (المادة 40) وزير الداخلية سلطة واسعة لتجريد أي شخص من جنسيته البريطانية إذا كان “من شأن ذلك أن يخدم المصلحة العامة”، وقد وسّعت هذه السلطة بعد أحداث 11 سبتمبر وتفجيرات لندن 2005.
وقد شهدت المملكة المتحدة سلسلة من القضايا البارزة التي أرست سوابق قضائية مهمة:قضية U3: في مايو 2025، أيدت المحكمة العليا البريطانية (Supreme Court) قرار وزير الداخلية بتجريد مواطنة بريطانية - مغربية ثنائية الجنسية من جنسيتها بعد سفرها إلى سوريا والانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، حيث قُدّر أن عودتها إلى المملكة المتحدة ستشكل خطرا على الأمن القومي.
نظرت المحكمة العليا الدنماركية بالعام 2024، قضية تم تجريد مواطنة دنماركية - بوسنية ثنائية الجنسية كانت قد سافرت إلى سوريا مع زوجها وأطفالها؛ حيث تزوجت من سائق إسعاف لصالح تنظيم الدولة الإسلامية وحظيت بطفلين آخرين.
أدينت بدعم الإرهاب وحُكم عليها بأربع سنوات سجن، وجردت من جنسيتها الدنماركية.
طبقت المحكمة معيارا عاما يقضي بتجريد الجنسية عندما يُحكم على الشخص بالسجن مدة سنتين أو أكثر، وأجرت تقييما للتناسب بين جسامة الجريمة وأهمية التجريد بالنسبة للشخص المعني.
السويد.
مشروع قانون لتوسيع نطاق التجريدفي مارس 2026، قدمت لجنة التحقيق برئاسة أنيتا ليندر تقريرها النهائي، الذي أوصى بتجريد ثنائيي الجنسية من جنسيتهم السويدية إذا ارتكبوا جرائم أسلحة ومتفجرات، أو غسل أموال، أو احتيال على المزايا الاجتماعية “كجزء من شبكة إجرامية”.
ويشمل الشرط أن تكون العقوبة السجن مدة أربع سنوات أو أكثر.
أشارت التقديرات إلى وجود حوالي 1,400 مجرم في عصابات يقيمون في السويد ويحملون جنسية مزدوجة قد يتأثرون بهذا القانون.
إن الممارسة البحرينية المتمثلة في إخراج مسائل الجنسية من نطاق القضاء الإداري ليست منفردة، بل تندرج ضمن اتجاه دولي أوسع؛ فهذه الممارسات الإقليمية والأوروبية تظهر اتجاها واضحا نحو توسيع سلطات الدولة في حماية أمنها القومي من خلال تجريد الأفراد الذين يهددون مصالحها الحيوية أو ينتهكون واجب الولاء من جنسياتهم.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك