كتاب يستحضر جذور الأزمات ويضيء خطر التهديد الإيراني على أمن الخليج، فـ “ليست بعض الكتب صفحات تُقرأ، بل مرايا تكشف كيف يعود التاريخ إلينا بأسماء جديدة وتحديات متجددة”، فقد أهداني الصديق العزيز الأستاذ عبدالله خليفة الكعبي كتابه القيّم: “سيرة في السياسة”، فكانت الهدية أعمق من مجرد كتاب يوضع على الرفوف أو يُقرأ في جلسة عابرة؛ إذ وجدت نفسي أمام عمل فكري ثري يفتح نوافذ واسعة على التاريخ السياسي للمنطقة، ويعيد قراءة محطات مفصلية ما زالت آثارها ماثلة في واقعنا الراهن.
منذ الصفحات الأولى، يتبدى للقارئ أن هذا الكتاب لا يندرج ضمن السيرة الذاتية التقليدية التي تنحصر في سرد التجارب الشخصية، بل هو أقرب إلى شهادة فكرية وسياسية على عصرٍ كامل.
فالكاتب يجعل من تجربته ومسيرته مدخلًا لقراءة التحولات الكبرى التي مرّت بها المنطقة العربية والإسلامية، جامعًا بين السرد الأدبي والتحليل السياسي العميق.
ويتنقل الكتاب بين محطات تاريخية متعددة، تبدأ من تشكّل الوعي الشخصي والسياسي، ثم تمتد إلى قضايا كبرى مثل الاستعمار الغربي، ومشروعات الهيمنة، والجذور التاريخية للقضية الفلسطينية، ومسارات الصراع الإقليمي والدولي.
لقد أولى الكتاب مساحة واسعة للقضية الفلسطينية، من خلال استعراض الجذور التاريخية للمشروع الإسرائيلي، ومؤتمر بازل، ورسائل تيودور هرتزل، ورفض السلطان عبدالحميد الثاني التنازل عن فلسطين، وهي صفحات يقدّمها الكاتب بلغة تجمع بين التوثيق التاريخي والانفعال الوطني الصادق.
وهو في كل ذلك لا يكتفي بعرض الوقائع، بل يسعى إلى تفكيك أسبابها، وربطها بنتائجها التي ما زلنا نعيشها حتى اليوم.
ومن أهم ما يلفت النظر في هذا العمل أنه يربط بين الماضي والحاضر بوعيٍ استشرافي لافت؛ فالقارئ يجد في صفحات الكتاب إشارات واضحة إلى طبيعة الأخطار التي تهدد المنطقة، وفي مقدمتها الأطماع الإقليمية والمشروعات التوسعية التي اتخذت عبر الزمن صورًا مختلفة.
وفي هذا السياق، تبدو قراءة الكاتب للخطر الفارسي الإيراني مبكرة، وذات أهمية خصوصًا في ظل الأحداث التي تشهدها منطقتنا اليوم، حيث تتجدد محاولات التدخل وزعزعة الاستقرار في الخليج العربي.
ومن هنا تأتي قيمة الكتاب، ليس بوصفه سجلًا للماضي فحسب، بل بوصفه نصًا يضيء الحاضر، ويمنح القارئ أدوات لفهم ما يجري من حوله.
إن هذه القراءة تكتسب أهمية مضاعفة في ظل الأحداث الراهنة التي تشهدها المنطقة، حيث يتجدد الحديث عن الخطر الإيراني المستمر، ومحاولات التمدد والتأثير في أمن الخليج العربي واستقراره.
إن ما يميز هذا الكتاب حقًّا هو قدرته على تحويل الحدث التاريخي إلى سؤال فكري، وعلى جعل الوقائع السياسية مادة للتأمل العميق.
فهو لا يروي ما حدث فقط، بل يدعو القارئ إلى التساؤل: لماذا حدث؟ وكيف تكررت الأخطاء ذاتها؟ وما الذي ينبغي أن نتعلمه من صفحات الأمس حتى لا تتكرر التحديات ذاتها في الغد؟وتتجلى أهمية الكتاب اليوم في أنه لا يقرأ التاريخ بوصفه ماضيًا منقطعًا، بل يقدّمه كمرآة لفهم الحاضر.
فما نراه اليوم من تحديات تمس مملكة البحرين ودول مجلس التعاون، ومن محاولات لزعزعة الأمن الإقليمي، تجد لها جذورًا وتحليلات في صفحات هذا الكتاب، الأمر الذي يجعله نصًّا حيًّا يواكب اللحظة، لا مجرد شهادة على زمن مضى.
لقد وجدت في هذا الكتاب ثراءً في الطرح، وجرأة في التحليل، وصدقا في النظرة إلى قضايا الأمة، ما يجعله إضافة نوعية للمكتبة البحرينية والعربية، وقراءة تستحق التوقف عندها، خصوصًا في هذا التوقيت الذي تتشابك فيه السياسة بالتاريخ، ويعود فيه الماضي ليلقي ظلاله على حاضرنا.
إن “سيرة في السياسة” ليس مجرد كتاب في الذكريات أو السياسة، بل هو شهادة فكرية على زمن عربي مضطرب، وتحذير مبكر من الأخطار التي ما زالت تلقي بظلالها على واقعنا الحالي.
*عضو جمعية الصحفيين البحرينية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك