بدأ الروائي الفرنسي أندريه مالرو تصوير فيلم" سييرا دي تيرويل/ الأمل" عام 1938، والمقتبس عن روايته التي أصدرها قبل ذلك بعام، وتناولت الحرب الأهلية في إسبانيا.
الفيلم الذي أخرجه بالاشتراك مع بوريس بسكين، أصبح وثيقة سينمائية تاريخية يمكن للزوار مشاهدتها في معرض" أندريه مالرو وإغراء السينما" الذي افتتح بداية الشهر الماضي في المكتبة الوطنية في جامعة مدينة ستراسبورغ الفرنسية، ويتواصل حتى السادس من يونيو/ حزيران المقبل.
لم يلق الفيلم إقبالاً جماهيرياً عند عرضه مثل حال معظم أعمال مالرو السينمائية، التي تكشف جانباً غير مضاءٍ في تجربته التي تتعدد اشتغالاتها بين الأدب وتاريخ الفن والنقد الأدبي والسياسة.
يتضمن المعرض الذي ينظّم في الذكرى الخمسين لرحيله، مقاطع من فيلم" الأمل" بالإضافة إلى ملصقه الكبير وبعض المخطوطات التي توضح ملاحظاته على السيناريو، والعلاقة بين التجربة الحياتية والإبداع الفني، بين الحرب والسياسة، والالتزام بالقضايا الكبرى.
يشير كتيّب المعرض إلى أن موهبة مالرو تكمن في لقطاته المقربة ومونتاجه المتقن، وهو ما أقرّه جان لوك غودار لاحقاً في سياق الحديث عن تأثيره في أسلوبه السينمائي؛ شهادة مستحقة أتت بعد انتقادات لاذعة من غودار.
لكن الكاتب الفرنسي لم يتعامل مع السينما بوصفها فناً أساسياً، إنما شكّلت وسيطاً إضافياً لمواجهة النزعات الفاشية التي تصاعدت في أوروبا آنذاك.
وجد في السينما لغة جديدة للتعبير في لحظة تحولات شهدتها فرنسانكتشف أن سينوغرافيا المعرض صُممت وفق تصور يربط بين الشخصية وكتبها ومخطوطاتها وأرشيفها الصحافي، مع الفضاء السينمائي المعتم المستوحى من صالات العرض، وضمن تقسيمات مكتوبة على الأرض، تحدد لكل ركن وظيفة محددة، في مسار سرد السيرة الذاتية للمبدع في الأفق السينمائي.
في البداية تستوقف الزائر الشاشات التي تعرض مقاطع من أفلام سينمائية عاصرها مالرو وكتب عنها، وأيضاً شهادات مخرجين حول الدور الذي قام به في تاريخ التحولات التي عاشتها فرنسا ثقافياً.
وأيضاً تشدنا الصور التي تجمع مالرو بشخصيات بارزة في الإبداع المصور في استوديوهات السينما أو خشبات المسارح، تغري بتدقيق التواريخ، وتأخذنا إلى التفكير في جيل كامل عاش بين الحربين العالميتين في القرن الماضي، ووجد في السينما لغة جديدة للتعبير، تساهم في فهم العالم، وتتيح المجال لتجريب الأفكار التي كانت تتشكّل وسط التحولات السياسية الكبرى في أوروبا، شخصيات ذهبت في مصائرها ودفعت أثمان مواقفها مثل الصورة التي تجمعه بمايرخولد المسرحي الروسي الذي تمت تصفيته في سجون ستالين عام 1937.
وُلد مالرو في زمن كانت السينما فيه فناً وليداً، وكبر وهو يشاهد الأفلام الأولى التي شكّلت خياله البصري المبكر، في شبابه تعرف إلى الأوساط الطليعية التي قدمت للفن السابع أفكاراً إبداعية تتوازى مع ما كانت تشهده الفنون والآداب من تطلعات مختلفة، اكتشف أيضاً السينما التعبيرية الألمانية أثناء إقامته في برلين عام 1922، وهناك تعرّف إلى لغة بصرية مختلفة تقوم على الضوء والظل والتكوين الحاد والبعد النفسي للصورة.
بعد الحرب العالمية الثانية، دخل مالرو مرحلة جديدة حين اقترب من الجنرال ديغول وتولى لاحقاً وزارة الثقافة.
هذه المرحلة التي أضافت بعداً آخر إلى علاقته بالسينما، يعطيها منظمو المعرض مساحة مهمة خاصة وأن تأثير مالرو ما زال يذكر في تاريخ الثقافة الفرنسية، ولا سيما مرحلة ما قبل الثورة الطلابية عام 1968، هنا تغيرت الفعالية من موقع الكاتب والمفكر إلى موقع صانع السياسات الثقافية.
لجهة دعم المؤسسات السينمائية، وترسيخ فكرة السينما فناً مركزياً في حياة الفرنسيين.
كما واصل التفكير النظري في الفن، وكتب نصوصاً حاولت فهم أثر الصورة في تشكيل الوعي الحديث.
خلال هذه المرحلة، تحوّلت السينما في نظره إلى جزء من مشروع أوسع يتعلق بعلاقة الإنسان بالصورة والتاريخ والذاكرة.
المعرض يرصد هذه المحطات من خلال أوراق مالرو ومخطوطاته، وملصقات، لمواجهة الأفكار الفاشية في الأفلام التي شارك في كتابتها، ويركز على تجربة جيله الذي وجد نفسه وسط الثورات الفنية، المتوازية مع صعود الأيديولوجيات، ويذكر بأن السينما ظهرت فعلياً في وسط هذه التحولات، وأصبحت مجالاً لتجريب طرق جديدة في رؤية الواقع.
ويُظهر العلاقة المتبادلة بين المثقف والسينما في شكل لافت: الكاتب يقرأ الصورة، وهي تشكّل خياله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك