منذ الاعتراف بالأمازيغية كلغة رسمية في المغرب عام 2011، ومع تنوع لهجاتها، بدأت هذه اللغة تتجاوز حدود المنازل والمجتمعات ووسائل الإعلام التقليدية، لتثبت حضورها في العالم الرقمي.
ويعزى هذا التحول إلى جهود المبدعين الذين ينتجون محتوى بالأمازيغية، إلى جانب جمهور يتطلع إلى إعادة التواصل مع جذوره وتراثه اللغوي.
تشهد المنصات الرقمية حاليا انتشارا متزايدا للمحتوى الأمازيغي، من الفيديوهات التعليمية التي تهدف إلى تعلم اللغة، إلى المواد الثقافية التي تسلط الضوء على التقاليد الأمازيغية العريقة.
رضوان، من تافراوت بمنطقة سوس، واحد من هؤلاء المبدعين.
على حسابه في إنستغرام، حيث يتابعه نحو 80,000 شخص، يقدم محتوى" 100% أمازيغي" باللهجة السوسية، وهي لهجة منطقته، ويعكس من خلاله الثقافة المحلية.
من الإيغودار القديمة إلى التقاليد القروية واللحظات التاريخية، يظهر عمله ارتباطا عميقا بلغته الأم.
بعد ثلاث سنوات من بدء إنتاج المحتوى، يؤكد رضوان أن اختياره للأمازيغية كان طبيعيا.
" الأمازيغية هي اللغة التي نتحدث بها في المنزل، وفي الشوارع، وفي المدرسة.
عندما قررت أن أبدأ في إنشاء محتوى عبر الإنترنت، لم أفكر مرتين، ولم أفكر في لغة أخرى"، كما قال لموقع يابلادي.
نافذة على الثقافة الأمازيغيةبالنسبة لرضوان، لا يقتصر الإبداع بالأمازيغية على كونه وسيلة للتعبير، بل يشكل أيضا أداة لنقل التراث.
" إنها نافذة تتيح للأمازيغ، سواء في المدن أو في الخارج، إعادة التواصل مع تمزير (الوطن)، بلغتهم وتراثهم وتقاليدهم، التي بات بعضها مهددا بالاندثار تدريجيا"، أضاف.
ورغم أن المحتوى الرقمي الأمازيغي لا يزال في طور التشكل، فإنه يكتسب تدريجيا مكانة في المغرب.
وقال رضوان" قبل جائحة كورونا، كان المحتوى الأمازيغي نادرا جدا، مع وجود عدد محدود من المبدعين.
أما اليوم، فهناك العشرات، بل المئات".
ورغم تنوع الجمهور، من المراهقين إلى من هم في الخمسينيات، يظل الوصول إلى شريحة أوسع تحديا قائما.
وقال" أنتج محتوى باللهجة السوسية، وهي لهجة لا يفهمها جميع الناطقين بالأمازيغية.
ليست لهجة صغيرة، لكنها محدودة، وهذا ما يجعل الوصول إلى جمهور أوسع يستغرق وقتا ويتطلب الصبر".
وبعيدا عن منطق الانتشار، يظل التفاعل المؤشر الأهم بالنسبة لهذا المبدع المقيم في تافراوت.
وأوضح" الرسائل التي أتلقاها مشجعة دائما، فالناس يدعمونني ويشكرونني ويطلبون المزيد.
يقولون إنني أذكرهم بتمزيرت (الوطن) وأساهم في إحياء التقاليد".
ويرى رضوان أن المنصات الرقمية تلعب دورا محوريا في هذه الدينامية.
" في عالم اليوم، حيث تسود الهواتف والتمرير المستمر، تصبح هذه المنصات ضرورية للحفاظ على الثقافة الأمازيغية وتعزيزها"، على حد تعبيره.
بالنسبة لبعض المبدعين، لم يبدأ التحول نحو المحتوى الأمازيغي عبر الإنترنت، بل انطلق من خشبة المسرح وتجارب خارج الوطن.
سارة، مغنية وكاتبة أغان ومبدعة محتوى أمازيغية، تستحضر بدايات هذا المسار خلال عروضها في آسيا.
وقال" بدأ الأمر في شنغهاي خلال الحفلات الموسيقية.
بين الفقرات، كنت أعزف أغانٍ مثل" إميك سميك" أو مقطوعات أخرى لهندي زهرة، إلى جانب موسيقاي الخاصة، وحتى إعادة تقديم لمقطوعات جاز مستوحاة من رواد أمازيغ".
وسرعان ما تحولت هذه العروض إلى لحظات للتبادل الثقافي، إذ أبدى الجمهور فضولا متزايدا تجاه ما يسمعه.
وأضافت" كان الناس فضوليين جداً.
كانوا يسألون: هل هذا عربي؟ وهكذا كنا ننخرط في نقاشات، أحيانا حتى على خشبة المسرح، حول الثقافة شمال الإفريقية والهوية الأمازيغية"، موضحة كيف أسهمت هذه التفاعلات تدريجيا في تشكيل نهجها.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك