تحول دبوس صغير ترتديه ديلسي رودريغيز، القائدة الجديدة لفنزويلا والمدعومة من الولايات المتحدة، إلى شرارة دبلوماسية أعادت إشعال نزاع سيادي عالي الحساسية مع جمهورية غيانا المجاورة.
ويظهر الدبوس الذهبي (البروش) الذي يزين بانتظام ملابس رودريغيز خريطة رسمية لفنزويلا، تتضمن إقليم إسيكيبو المتنازع عليه، وهو منطقة غنية بالموارد تقع غرب غيانا وتطالب بها كاراكاس منذ أكثر من قرن.
ومع شروع رودريغيز في جولات دبلوماسية عبر عواصم الكاريبي لتكريس خروج فنزويلا من سنوات العزلة الدولية، بات هذا الدبوس رمزاً لتصعيد نزاع حدودي قديم يزداد تعقيداً.
تعود جذور الأزمة إلى إرث الاستعمار البريطاني في شمال أميركا الجنوبية، حيث يتصاعد الخلاف قبيل جلسات مرتقبة الأسبوع المقبل أمام محكمة العدل الدولية.
ومن المقرر أن تنظر المحكمة في الأسس القانونية لدعوى غيانا بشأن شرعية حكم تحكيم صدر عام 1899 حدد الحدود البرية بين فنزويلا ومستعمرة غيانا البريطانية آنذاك.
وتكتسب القضية حساسية مضاعفة بالنسبة لغيانا، التي شهدت تحولاً اقتصادياً جذرياً خلال العقد الأخير، بعد اكتشافات نفطية ضخمة قادتها شركة" إكسون موبيل" قبالة السواحل الغيانية، ما حول الدولة الصغيرة قليلة السكان إلى قوة نفطية صاعدة تنافس فنزويلا نفسها.
وتقع هذه الاكتشافات في نطاق بحري تعتبره كاراكاس امتداداً لمطالبتها بإقليم إسيكيبو، وفقاً لما ذكرته" بلومبرغ"، واطلعت عليه" العربية Business".
وعبر السنوات، كثفت البحرية الفنزويلية دورياتها في تلك المياه، في خطوات وصفت بأنها محاولات ترهيب لسفن الأبحاث العاملة لصالح شركات نفط أميركية.
احتجاج غياني وتحذير إقليميوخلال هذا الأسبوع، قدمت غيانا اعتراضاً رسمياً على ارتداء رودريغيز للدبوس خلال اجتماعات مع قادة مجموعة الكاريبي (كاريكوم)، أثناء زياراتها الرسمية إلى غرينادا وبربادوس في أبريل.
وفي رسالة احتجاج وجهها الرئيس الغياني عرفان علي إلى رئيس كاريكوم، رئيس وزراء سانت كيتس ونيفيس تيرانس درو، شدد على أن" أي تصرف، سواء كان مقصوداً أو غير مقصود، يجب ألا يخلق انطباعاً بأن منصات المجموعة تستخدم للترويج لمطالبات معروضة حالياً أمام محكمة العدل الدولية".
وأضاف الرئيس الغياني أن الدعم المبدئي الذي تقدمه كاريكوم لغيانا يجب أن ينعكس ليس فقط في البيانات الرسمية، بل أيضاً في سياق وسلوك اللقاءات الرسمية.
وفي أعقاب ذلك، أصدرت أمانة كاريكوم بياناً حذرت فيه الدول الأعضاء من المساس بالحياد، مؤكدة ضرورة عدم استخدام الفعاليات أو اللقاءات الإقليمية للترويج أو إعطاء انطباع بشرعنة مطالبات تخضع لإجراءات قضائية جارية أمام محكمة العدل الدولية.
من جانبها، ردت رودريغيز بلهجة هجومية خلال مقابلة بثها التلفزيون الرسمي الفنزويلي، معتبرة أن الرئيس الغياني يصنع فضيحة لأنني أرتدي دائماً دبوساً يحمل خريطة فنزويلا – الخريطة الوحيدة التي عرفتها طوال حياتي.
وأضافت: " قلت لوزير الخارجية.
فليسألوا إن كانوا سيأتون أيضاً لحرق كتب التاريخ، لأن حقوق فنزويلا في إسيكيبو تاريخية ولا تقبل الجدل.
لن نسمح بأي انتزاع للحقوق أو إضفاء شرعية على سرقة".
دور واشنطن.
ومفارقة الموقفوكانت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد اعترفت برودريغيز رئيسة انتقالية لفنزويلا، وخففت العقوبات على البلاد بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس السابق نيكولاس مادورو مطلع يناير الماضي.
ورغم ذلك، حافظت واشنطن تاريخياً على موقف داعم لسيادة غيانا على إقليم إسيكيبو.
ويرى خبراء أن المسألة تتجاوز رمزاً بصرياً أو خلافاً بروتوكولياً.
إذ قال مارك كيرتون، مدير مركز الدراسات الدولية والحدودية في جورجتاون، إن على غيانا أن ترفع النزاع حول الإقليم البالغ مساحته 83 ألف ميل مربع إلى مستوى القضايا الأمنية الإقليمية.
وأوضح كيرتون: " بينما يراها البعض قضية دبوس، أراها في سياق أوسع.
عندما تعرض خريطة غيانا باعتبارها الولاية الرابعة والعشرين لفنزويلا، فهذا أمر غير مقبول".
وانتقد ما وصفه بضعف الالتزام بالبروتوكول من قبل بعض دول الكاريبي أمام ما اعتبره" استعراضاً لفنزويلا بنبرة متعجرفة".
ومن المتوقع أن تصدر محكمة العدل الدولية حكمها في القضية خلال العام المقبل، وفق ما أفاد به ممثل غيانا لدى المحكمة، في قرار قد يعيد رسم التوازن الجيوسياسي في واحد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك