تتجه صناعة الطيران العالمية إلى مرحلة جديدة في تصميم مقاعد الدرجة السياحية، لا تقتصر على تحسين راحة الركاب، بل تشمل تقليل وزن الطائرات وخفض استهلاك الوقود والانبعاثات.
وفي هذا السياق، أعلنت شركة «إيزي جت» الأوروبية أنها ستبدأ، اعتبارًا من عام 2028، تركيب مقاعد اقتصادية جديدة فائقة الخفة على طائراتها الحديثة من طرازي Airbus A320neo وA321neo، من إنتاج شركة Mirus Aircraft Seating البريطانية.
وتحمل المقاعد الجديدة اسم Kestrel، وهي مصنوعة من ألياف الكربون، أو ما يُعرف بـ«الكاربون فايبر»، وهي مادة تُستخدم على نطاق واسع في الصناعات المتقدمة مثل الطيران، والسيارات الرياضية، والدراجات الاحترافية، ومعدات الفضاء؛ نظرًا لقوتها العالية ووزنها الخفيف مقارنة بالمعادن والمواد البلاستيكية التقليدية.
وتقول «إيزي جت» إن المقاعد الجديدة ستكون أخف بأكثر من 20% مقارنة بالمقاعد المستخدمة حاليًا، ما قد يوفر ما يصل إلى 500 كيلوجرام من وزن الطائرة في بعض الطرازات الأكبر ضمن الأسطول، وهو رقم كبير في عالم الطيران؛ إذ يعني كل كيلوجرام زائد استهلاكًا إضافيًا للوقود على مدار آلاف الرحلات سنويًا.
الكاربون فايبر مادة مركبة تتكون من خيوط دقيقة جدًا من ألياف الكربون، تُدمج عادة مع مواد راتنجية لتكوين ألواح أو هياكل قوية وخفيفة.
وتمتاز هذه المادة بجمعها بين الصلابة العالية والوزن المنخفض، ما جعلها من أبرز المواد المستخدمة في الصناعات التي تتطلب أداءً قويًا دون زيادة في الوزن.
وفي الطائرات، لا تُقاس أهمية المادة بشكلها أو ملمسها فقط، بل بتأثيرها المباشر على الكفاءة التشغيلية؛ فكلما انخفض وزن المقعد، انخفض الوزن الإجمالي للطائرة، وبالتالي يقل استهلاك الوقود، وتنخفض الانبعاثات، وتتحسن قدرة شركات الطيران على التحكم في التكاليف.
لا تستهدف المقاعد الجديدة تقليل الوزن فقط، بل توفر أيضًا مساحة إضافية للركاب.
ووفق إعلان «إيزي جت»، فإن التصميم الجديد يمنح ما يصل إلى بوصتين إضافيتين لمساحة الأرجل، مع الحفاظ على الكثافة التشغيلية داخل الطائرة، دون تقليل عدد المقاعد بشكل جوهري.
ويعتمد تصميم مقاعد Kestrel على هيكل أنحف وأكثر كفاءة، مع وضعية جلوس هندسية محسّنة، وميل ثابت للمقعد بدلًا من آلية الإرجاع التقليدية، ما يقلل الوزن والأجزاء المتحركة، ويحد من مشكلات إرجاع المقاعد التي تثير خلافات متكررة بين الركاب في الرحلات القصيرة والمتوسطة.
لماذا تهتم شركات الطيران بالوزن؟في قطاع الطيران، الوزن يعني مالًا ووقودًا وانبعاثات.
فإذا تمكنت شركة طيران من تقليل وزن كل طائرة بنحو نصف طن، فإن ذلك ينعكس على آلاف الرحلات سنويًا في صورة وفورات تشغيلية كبيرة.
وتشير تقديرات إلى أن هذه المقاعد يمكن أن تسهم في خفض استهلاك الوقود وتقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مستوى الأسطول عند تطبيقها على نطاق واسع.
وتأتي هذه الخطوة في وقت تواجه فيه شركات الطيران ضغوطًا متزايدة بسبب ارتفاع أسعار الوقود، وتشدد التشريعات البيئية، إلى جانب مطالب الركاب بالحصول على مقاعد أكثر راحة، حتى في شركات الطيران الاقتصادية منخفضة التكلفة.
ستكون «إيزي جت» من أوائل شركات الطيران التي تعتمد هذه المقاعد الجديدة على طائراتها المستقبلية، ضمن طلبية تشمل أكثر من 230 طائرة من عائلة إيرباص A320neo وA321neo، على أن يبدأ تركيبها مع الطائرات الجديدة اعتبارًا من عام 2028.
وتسعى الشركة من خلال هذه الخطوة إلى تحقيق معادلة تجمع بين الحفاظ على نموذج التشغيل منخفض التكلفة، وتحسين تجربة الركاب، وتقليل البصمة البيئية؛ إذ لا يعني المقعد الأخف تقليل الوزن فحسب، بل يمنح مساحة أفضل للراكب، ويخفض استهلاك الوقود، ويدعم خطط الاستدامة في الطيران.
هل تصبح مقاعد الكاربون فايبر معيارًا جديدًا؟مع دخول الكاربون فايبر بقوة إلى صناعة مقاعد الدرجة السياحية، قد يشهد القطاع تحولًا جديدًا في تصميم مقصورات الطائرات؛ إذ بدأت شركات الطيران تنظر إلى المقعد بوصفه عنصرًا هندسيًا مؤثرًا في اقتصاد الرحلة، وليس مجرد وسيلة جلوس.
وإذا أثبتت التجربة نجاحها من حيث الراحة والمتانة وخفض التكاليف، فقد تتوسع شركات الطيران الأخرى في اعتماد هذه النوعية من المقاعد، خصوصًا الناقلات الاقتصادية التي تعتمد على الرحلات القصيرة والمتوسطة، حيث يمثل خفض الوزن عاملًا مهمًا في تحسين الربحية وتقليل الانبعاثات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك