في صباحٍ ربيعي هادئ، يبدأ المشهد من نقطة تجمع في إحدى حدائق شرق الرياض، حيث تصل السيدات تباعًا، جميعهن قريبات من عائلة واحدة، وبعضهن قدمن خصيصًا من خارج الرياض ليكنّ جزءًا من رحلة انتُظرت طويلًا.
لم تكن الفكرة عابرة، بل خُطط لها قبل شهرين، حين تولّت بدور تنسيق تفاصيلها بدقة؛ من حجز الحافلة، إلى اختيار نوعها وتجهيزاتها، فاختارت مقاعد على هيئة جلسة كنب، أقرب إلى مجلس منزلي، لتوفر راحة أكبر، خصوصًا لمن معهن من كبيرات السن.
عند الثامنة صباحًا، يكتمل الحضور، وتنطلق الحافلة، لا كوسيلة نقل فقط، بل كمساحة دافئة تتقاطع فيها الأحاديث وتستعاد فيها الذكريات منذ اللحظة الأولى.
يمتد الطريق شمالًا، لكن الإحساس لا يتجه إلى وجهة جديدة بقدر ما يعود إلى مكان مألوف.
الرحلة هذه المرة ليست إلى موقع سياحي عابر، بل إلى بيت العائلة في حرمة، حيث ينتظر المكان عودتهن، لا بوصفهن زائرات، بل كجزء من تاريخه.
وقد سُبقت هذه الزيارة بترتيبات أخرى، تنسيق مع إحدى نساء المدينة لتجهيز البيت واستقبالهن، إعداد الضيافة، وترتيب بوفيه غداء يعيد إحياء تفاصيل الكرم في المكان نفسه.
وحين يصلن، لا يبدو البيت غريبًا رغم مرور السنوات، بل يفتح أبوابه بهدوء كأنه يعرفهن.
الجدران الطينية تحتفظ بملامح من عاشوا فيه، والأبواب الخشبية تحمل أثر الحركة اليومية، والسقوف تروي حكايات حياة لم تنقطع، بل بقيت في انتظار من يعود ليستعيدها.
هنا، لا تكون الزيارة مجرد حضور عابر، بل لحظة تماس حقيقية بين الذاكرة والمكان.
هذا المشهد لا يقتصر على هذه الرحلة وحدها، بل يعكس تحولًا أوسع؛ فالكثير من هذه البيوت لم تعد مهجورة أو منسية، بل أعادت بعض الأسر إحياءها بعناية.
جُهزت بأسِرّة مريحة، ومطابخ عملية، ومجالس تستوعب تجمعات العائلة، لتتحول إلى مقرات حقيقية للاجتماعات في الأعياد والإجازات، ومكان يستقبل الأبناء والأحفاد، بل وحتى الضيوف، في بيئة تجمع بين البساطة والألفة.
بهذا المعنى، تغيّر دور هذه البيوت حيث أصبحت مركز حياة عائلية نابض.
وفي ظل هذا التحول، تأخذ هذه الرحلات بعدًا أعمق، إذ لا تكتفي السيدات بزيارة مكان، بل يعشن تجربة متكاملة تبدأ من الطريق، وتمتد إلى تفاصيل المجلس، وتنتهي بحكاية تُروى لاحقًا… كجزء من علاقة متجددة بين الإنسان ومكانه الأول.
وسط جولة النساء داخل البيت، لم تكن الزيارة صامتة، بل امتلأت بأصوات متداخلة، لكل واحدة حكايتها الخاصة مع المكان، واختلاف أعمارهن أضفى على المشهد عمقًا إنسانيًا لافتًا.
تقول دانة شابة في العشرينات، جاءت مع قريباتها من الدمام، وهي تتأمل تفاصيل الجدران: " أول مرة أجي المكان اللي كانوا يتكلمون عنه في العائلة… كنت أتخيله بشكل، لكن الواقع مختلف تمامًا.
أحس إني قاعدة أتعرف على جزء مني ما كنت أعرفه.
” وبقربها، تقف أم مشعل سيدة في منتصف العمر، تمرر يدها على باب خشبي قديم، وتقول بصوت هادئ: " هذا نفس البيت اللي أبوي تربى فيه… طول عمره يحكي لنا عنه، عن الجلسات وعن الناس اللي كانوا يجتمعون هنا.
يوم دخلت، حسّيت كأني دخلت ذاكرته، مو بس مكان.
كل شيء كان حي قدامي، كأنه ما راح.
” أما أم محمد إحدى الكبيرات في السن، فجلست في زاوية المجلس، تنظر حولها بعين ممتلئة، قبل أن تقول: " البيوت هذي ما تنسى أهلها… يمكن إحنا اللي نبتعد، لكنها تبقى مثل ما هي، تنتظرنا.
اليوم حسّيت إني رجعت سنين كثيرة ورا، كأني عشت عمري مرتين.
” وفي ركن آخر، كانت السيدة هدى تتحدث بحماس وهي تشير إلى تفاصيل المكان: " اللي شدني مو بس شكل البيت… كيف حافظوا عليه.
صار فيه حياة من جديد، مو مجرد ذكرى.
هذا المكان لو تُرك كان اندثر، لكن الحين صار يجمعنا من جديد.
من بين هذه الأحاديث المتفرقة، يتكوّن شعور مختلف لا يشبه زيارة عادية.
كل واحدة تعيش اللحظة بطريقتها؛ هذه تكتشف المكان لأول مرة، وتلك تستعيد شيئًا تعرفه منذ زمن، وأخرى تقف بين الاثنين.
ومع مرور الوقت، لا تبقى الحكايات مجرد كلام يُروى، بل تتحول إلى تجربة تُحس وتُعاش، وكأن الجميع، رغم اختلاف مشاعرهم، يلتقون عند إحساس واحد… أنهم عادوا لشيء كان ينتظرهم.
بعيدًا عن أجواء الرحلة، تكشف لقاءات منفصلة مع عدد من السيدات عن جانب آخر أقل ظهورًا… نشاط اقتصادي يتشكل بهدوء حول هذه التجارب التراثية.
في حديث منفصل، تروي “نورة” تجربتها في هذا المجال، وهي تدير حسابًا إلكترونيًا بسيطًا بدأ بفكرة عفوية قبل أن يتحول إلى مصدر دخل: " أنا من أهل سدير، وكنت أشوف البيوت القديمة مهجورة، وفي نفس الوقت أشوف البنات في الرياض يدورون أماكن مختلفة للرحلات.
بدأت أربط بين الاثنين… أول زيارة رتبتها كانت لقريباتي، وبعدها بدأت الطلبات تجيني من خارج العائلة.
” تشرح نورة كيف تتشكل التجربة من الداخل: " ما نكتفي بتأجير البيت، أنا أنسق مع صاحبته أو أهلها، وأتأكد من جاهزيته؛ فرش نظيف، جلسات مريحة، مطبخ مجهز.
بعد كذا أتفق مع نساء من نفس البلدة يجهزن الغداء -كبسة، جريش، قرصان- أشياء تمثل المكان فعلًا.
الزائرات يبغون يعيشون التجربة كاملة، مو بس يشوفونها.
” وتضيف وهي تتحدث عن الجانب المالي: " الدخل موجود، لكن مو ثابت.
في الشتاء والإجازات يكون الضغط عالي، وأحيانًا نعتذر عن حجوزات.
لكن في أوقات ثانية يهدأ كل شيء.
ما فيه تنظيم رسمي، كل شيء يعتمد على الثقة والعلاقات.
”وفي لقاء آخر، تتحدث “أم خالد”، وهي سيدة في منتصف الخمسينات، بدأت نشاطها من داخل بيت العائلة نفسه: " هذا بيت أهلي، وكان شبه مهجور.
قررنا أنا وأخواتي نعيد ترتيبه بدل ما ينهار.
حطينا أسرّة، جهزنا المطبخ، ونظفنا المجلس.
بالبداية كنا نستخدمه في الأعياد فقط، بعدين جاتنا فكرة نفتحه للزيارات.
” توضح كيف تطور النشاط بشكل تدريجي: " ما عندي مؤسسة ولا مكتب، كله عن طريق حساب في الإنستغرام.
اللي يتواصلون معي غالبًا مجموعات نساء، أرتب لهم اليوم كامل -استقبال، قهوة، غداء، وأحيانًا حتى منتجات نبيعها مثل التمر والسمن.
حتى فيه بنات من القرية يشاركون بمشغولاتهم اليدوية.
" وتتوقف قليلًا قبل أن تضيف بنبرة واقعية: " فيه دخل الحمد لله، لكنه يعتمد على المواسم.
الفكرة نجحت، لكن ما أقدر أقول إنها مشروع مستقر إلى الآن.
تحتاج تنظيم أكثر، يمكن دعم أو جهة تجمعنا وتحدد الأسعار والمعايير.
”بين هاتين التجربتين، تتضح ملامح نشاط اقتصادي يتشكل بهدوء، خارج الأطر التقليدية؛ مبادرات نسائية فردية، تنطلق من البيوت نفسها، وتعيد تقديم التراث ليس فقط كذاكرة، بل كمنتج حي.
ومع ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا: هل يمكن لهذا الحراك أن يتحول إلى نشاط مستدام، أم سيظل مرتبطًا بالمواسم والجهود الشخصية؟وفي قراءة أوسع لهذا الحراك، تتحدث د.
سارة الماضي، مختصة في التراث والسياحة الثقافية، عن هذه الظاهرة بوصفها مؤشرًا مهمًا على تحوّل نظرة المجتمع للتراث من مجرد ماضٍ محفوظ إلى مورد قابل للحياة: " ما نشهده اليوم في مناطق مثل سدير ليس نشاطًا عابرًا، بل ملامح توجه جديد تقوده النساء تحديدًا، حيث أعادوا تعريف العلاقة مع البيوت التراثية.
هذه البيوت لم تعد تُزار على استحياء أو في مناسبات محدودة، بل أصبحت جزءًا من تجربة متكاملة تُبنى حولها رحلة لها برنامج، وضيافة، وسرد قصصي للمكان.
توضح أن ما يميز هذه التجارب هو طابعها الواقعي: " هي ليست مشاريع مصطنعة أو مبنية بشكل سياحي تقليدي، بل تنطلق من داخل المجتمع نفسه؛ من بيوت حقيقية، وأسر حقيقية، ونساء يقدمن الضيافة كما اعتدن عليها.
وهذا ما يمنحها قيمة عالية لدى الزائرات، لأنهن يشعرن أنهن يعشن التجربة كما كانت، لا كما صُممت للعرض.
وعن الجانب الاقتصادي، تشير إلى أن ما يحدث الآن يمثل “اقتصادًا تراثيًا ناشئًا: “نحن أمام سلسلة قيمة كاملة، حتى لو كانت غير منظمة؛ هناك تأجير بيوت، إعداد وجبات شعبية، بيع منتجات محلية، وحتى خدمات تنظيم الرحلات.
كل هذا يشير إلى نشاط اقتصادي قابل للنمو، لكنه لا يزال في مراحله الأولية.
لكنها في الوقت ذاته ترى أن التحدي الحقيقي يكمن في الاستدامة: " النجاح الحالي يعتمد على اجتهادات فردية، وغالبًا يرتبط بالمواسم مثل الشتاء والإجازات.
إذا أردنا أن يتحول هذا النشاط إلى نموذج مستدام، نحتاج إلى تنظيمه دون أن نفقد روحه؛ من خلال وضع أطر واضحة للتراخيص، تدريب مقدمي الخدمة، وتحسين جودة التجربة مع الحفاظ على أصالتها.
” وتضيف: “الفرصة كبيرة، خصوصًا في ظل توجهات المملكة لدعم السياحة الداخلية وتمكين المرأة.
هذه المبادرات يمكن أن تتحول إلى مشاريع صغيرة ومتوسطة تديرها النساء في القرى، وتخلق دخلًا مستمرًا لهن، وفي الوقت نفسه تحافظ على التراث من الاندثار.
”وتختم حديثها بنبرة تحمل رؤية مستقبلية:“إذا استمر هذا الحراك وتلقى الدعم المناسب، سنرى خلال سنوات قليلة وجهات تراثية حقيقية تُدار محليًا، ليست فقط للزيارة، بل للمعايشة.
وهنا يكون النجاح الحقيقي… حين يصبح التراث جزءًا من الاقتصاد، دون أن يفقد هويته.
وفي محاولة لفهم هذا التوجه من زاوية اجتماعية، توضّح الأخصائية الاجتماعية د.
ريم الطاسان أن ما يحدث يتجاوز فكرة “الرحلة” أو “الترفيه” إلى حاجة أعمق تتشكل لدى كثير من النساء اليوم: " نحن أمام حالة مزدوجة؛ من جهة، حياة حضرية سريعة ومليئة بالتفاصيل اليومية والضغوط، ومن جهة أخرى ذاكرة اجتماعية هادئة وبسيطة ما زالت حاضرة في الوعي.
هذه الرحلات تمثل نقطة التقاء بين الاثنين.
وترى أن تفضيل بعض السيدات لهذه الوجهات ليس رفضًا للحداثة بقدر ما هو محاولة لإعادة التوازن: " المدينة تقدم كل شيء، لكنها في المقابل تفرض إيقاعًا سريعًا لا يترك مساحة كافية للتأمل أو العلاقات العميقة.
في البيوت الطينية، كل شيء أبطأ… الجلسة أطول، الحديث أعمق، والتواصل أكثر مباشرة.
وهذا بحد ذاته عامل جذب.
وعن سؤال “الحنين”، تشير إلى أنه ليس حنينًا تقليديًا فقط: " حتى الشابات اللواتي لم يعشن في تلك البيوت يشعرن بانجذاب لها، وهذا مهم.
هو ليس حنينًا لذكريات شخصية، بل لما تمثله هذه البيوت من بساطة وانتماء ووضوح في العلاقات.
بمعنى آخر، هو حنين لقيم، وليس لأماكن فقط.
وتضيف: " هناك أيضًا جانب نفسي مهم، وهو الشعور بالهوية.
في ظل العولمة وتسارع التغيرات، يصبح البحث عن الجذور نوعًا من إعادة تثبيت الذات.
هذه الرحلات تمنح النساء إحساسًا بأنهن جزء من قصة أكبر، ممتدة عبر الزمن.
” وتلفت إلى أن البساطة تلعب دورًا محوريًا: " الكثير من مظاهر الحياة الحديثة قائمة على الاستهلاك السريع -مطاعم، مقاه، أماكن جاهزة.
بينما في هذه الرحلات، التجربة تُبنى من تفاصيل صغيرة؛ القهوة تُعد أمامك، الطعام يُطبخ في المكان، والمجلس يُرتب بطريقة تقليدية.
هذه التفاصيل تعطي شعورًا بالصدق والراحة.
” وعن فكرة “الهروب”، تبتسم قبل أن توضح: " يمكن تسميته هروبًا مؤقتًا، لكن بمعناه الإيجابي.
هو انسحاب من ضغط مستمر، وليس رفضًا للحياة الحديثة.
والدليل أن هذه السيدات يعدن في نفس اليوم إلى المدينة، لكن بعد أن يأخذن جرعة من الهدوء والاتصال الحقيقي.
” وتختتم حديثها قائلة: " إذا نظرنا لهذه الظاهرة بعمق، سنجد أنها ليست مجرد توجه سياحي، بل تعبير عن حاجة اجتماعية ونفسية لإعادة تعريف العلاقة مع المكان، ومع الذات أيضًا.
وهذا ما يفسر استمرارها وانتشارها بين فئات عمرية مختلفة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك