في مثل هذا اليوم من عام 1945، أسدل الستار على الفصل الأكثر تضليلًا في تاريخ الإعلام الحديث، بوفاة جوزيف جوبلز، وزير الدعاية في ألمانيا النازية، انتحارًا في خندق الفوهرر ببرلين، وجاء رحيل جوبلز بعد يوم واحد فقط من انتحار رفيقه أدولف هتلر، ليعلن بموته الانهيار التام للماكينة التي استطاعت غسل أدمغة الملايين، مؤكدًا وفاءه الأعمى للأيديولوجية التي ساهم في صياغتها، حتى حينما أصبحت المدافع السوفيتية على بعد أمتار قليلة من مخبأه الأخير.
ولد جوزيف جوبلز عام 1897 في مدينة رايت برينانيا غرب ألمانيا لأسرة كاثوليكية من الطبقة الوسطى الكادحة؛ فوالده كان محاسبًا بسيطًا، لكنه كان حريصًا على تعليم أبنائه تعليمًا رفيعًا كنوع من الترقي الاجتماعي.
وعانى جوبلز في طفولته من التهاب في العظام أدى إلى قصر في ساقه اليمنى، وهي العاهة التي شكلت مركب نقص دائم لديه، دفعته للتعويض عبر التفوق الذهني الكاسح، فنشأ قارئًا نهمًا ومنعزلًا، يمتلك بلاغة لسان عوضته عن ضآلة الجسد.
وتلقى جوبلز تعليمًا أكاديميًا نخبويًا، حيث درس الأدب والتاريخ والفلسفة في أرقى الجامعات الألمانية، وحصل على درجة الدكتوراه في فقه اللغة من جامعة هايدلبرغ عام 1921، وكانت قناعاته في البداية تميل نحو الأدب والفن، حيث حاول أن يكون روائيًا ومسرحيًا، لكن فشله في هذا المجال، تزامنًا مع مرارة هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، جعله يصب جام غضبه على المجتمع، باحثًا عن" مخلص" يعيد لألمانيا كرامتها الجريحة، وهو ما وجده لاحقًا في شخصية أدولف هتلر.
محطات صعود جوبلز بدأت عام 1924 حين انضم للحزب النازي، ولم يكن في البداية من أنصار هتلر، بل كان يميل للجناح اليساري في الحزب، إلا أن قدرات هتلر الخطابية سحرته، فتحول إلى أخلص أتباعه.
ويرصد المؤرخ البريطاني روجر مانهويل في كتابه “دكتور جوبلز” كيف لفت أنظاره بقدرته الفائقة على تنظيم الجماهير في برلين، التي كانت معقلًا للاشتراكيين، فنجح في تحويلها إلى معقل نازي بفضل استخدامه المبتكر للملصقات والمسيرات والخطب الرنانة، مما دفع هتلر لتعيينه رئيسًا للدعاية للحزب في عام 1930.
ومع وصول النازيين للسلطة عام 1933، استحدث هتلر وزارة التنوير العام والدعاية خصيصًا لـ جوبلز، ليصبح أول وزير إعلام بمفهوم غسيل الأدمغة الشامل، ولم يكن جوبلز مجرد موظف، بل كان المهندس الذي أمم الصحافة والإذاعة والسينما لصالح الأيديولوجية النازية، محولًا الأكاذيب السياسية إلى حقائق يقدسها الشعب، بعد أن استغل الأزمات الاقتصادية لإثارة النزعات القومية، ومع الوقت نجحت دعاية جوبلز في خلق" أسطورة الفهرر" لتصبح النازية دينًا أرضيًا يقدسه الأتباع.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، تحول جوبلز إلى صوت الحرب الشاملة، محفزًا الألمان على القتال حتى الرمق الأخير، حتى وهو يدرك تمامًا أن الهزيمة باتت قدرًا لا مفر منه.
كانت نهاية وزير الداعية النازية تراجيدية بامتياز؛ فبعد انتحار هتلر، تولى جوبلز منصب مستشار ألمانيا ليوم واحد فقط، رفض خلاله الاستسلام للسوفيت، ويذكر المؤرخ وضابط الاستخبارات البريطاني هيو تريفور روبر في كتابه “الأيام الأخيرة لـ هتلر”، أن جوبلز وزوجته ماغدا اتخذا قرارًا مرعبًا بقتل أطفالهما الستة بالسم، إذ كانت" ماغدا" تؤمن بأنه لا يستحق أطفالها العيش في عالم بلا نازية.
وتكشف شهادات الناجين من الخندق أن الجراح الشخصي لهتلر، الطبيب الألماني لودفيج ستومبفيجر، هو الذي ساعد في تخدير الأطفال بالمورفين أولًا، ثم قامت الأم بكسر كبسولات السيانيد داخل أفواههم وهم نيام، واستطاعت الاستخبارات السوفيتية (NKVD) التي اقتحمت الخندق بعد يومين من الانتحار معرفة هذه الفظائع وبثها للعالم، حيث وجد الجنود السوفيت جثث الأطفال بملابس النوم، بينما كانت جثتا جوزيف وماغدا متفحمتين جزئيًا في حديقة المستشارية بالخارج بعد محاولة فاشلة من الحرس لحرقهما بالبنزين.
وأجرى السوفيت تشريحًا دقيقًا للجثث وفحوصات للأسنان للتأكد من هويتهم قبل أن يفرضوا تعتيمًا كاملًا على مكان الدفن لسنوات طويلة، وظلت الجثامين تتنقل في سرية تامة إلى أن وصلت عام 1946 إلى قاعدة عسكرية سوفيتية في مدينة ماجديبورج بشرق ألمانيا.
وفي عام 1970، تم استخراج الرفات وحرقها تمامًا، ثم ذر رمادها في نهر بيديريتز في ألمانيا لضمان عدم تحول مكان دفنهم إلى مزار للنازيين الجدد، ليمحى بذلك أي أثر مادي لمهندس الدعاية وعائلته من فوق الأرض، ويبقى أسلوب الرجل الذي صنع من الكذب فنًا سياسيًا، درسًا تاريخيًا حول خطورة الإعلام عندما يتحول إلى أداة للكذب والتحريض على الحروب والدماء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك