أسهم الفقه الإسلامي في خلق تعددية الرؤية عند طه حسين، ففي سنوات أربع قضاها في الجامع الأزهر أتى على برامج النحو والبلاغة وأصول الفقه والتوحيد والمنطق، ورغم فتور حماسه حيال ما تلقاه من علوم بالأزهر، فإن حنقه عليه، لم يكن أبدًا نابعًا من رغبة في تدميره أو إزاحته بعيداً عن الحياة المعرفية والعلمية القائمة، إنما كان، وكما يرى أنور لوقا: «حنق العاشق، الذي خابت آماله، واستمر يحاول حتى النهاية أن يستعيد السحر الأول للسعادة المولهة»، فها هو يقول:«أفدت من الأزهر شيئاً كثيراً جداً، وهو الحرص الشديد على التعمق في فهم النصوص، وتجنب السطحية والعلم المحفوظ، ودراسة الأزهر في تلك الأيام كانت تمتاز بتنشئة الملكات التي تتيح الفهم والتعمق والصبر على البحث، وليس هذا بالشىء الضئيل».
فالفقه بوصفه العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، يعتمد على مصادر أربعة أساسية هي: القرآن والسنة والإجماع والقياس، زاد عليها البعض الاجتهاد والاستصحاب والاستحسان، وهي في مجملها تقوم على الاستدلال والاستنباط، وبذا تكون المصادر متعددة وإن تكاملت، وفي كل مصدر هناك تعدد آخر في التأويل والتفسير بالنسبة للقرآن والسنة، والإجماع في جوهره هو رأي توافق على إبدائه عدة أشخاص، والقياس يختلف من شخص إلى آخر، والاجتهاد يمكن أن يتعدد بعدد المجتهدين.
وليس الفقه وحده في حقيقة الأمر هو ما أسهم في صناعة منهج طه حسين، بل إن علم العقيدة والتوحيد الذي درسه طه في الأزهر له علاقة وطيدة ببعض قضايا الفلسفة الإسلامية، وربما يلامس الفلسفة اليونانية من قريب أو بعيد، نظراً لتأثر بعض فلاسفة العرب القدامى، بمن سبقوهم من الإغريق الأقدمين.
والمصدر الثاني لتعددية العميد هو الأدب والفلسفة اليونانية، فطه حسين ترجم مسرحيات إليكترا وإياس وأنتيجونا وإيدييوس ملكاً لسوفوكليس، فيما كان يلفت انتباه طلابه إلى أهمية المسرح اليوناني، وكيف أنه لم يكن شأناً للتسلية والترويح، إنما كان فناً وفكراً عميقاً، لا يمكن دراسة تاريخ هذه البلدان دون الالتفات إليه، والعناية بما أحدثه في الواقع من تأثير، أما بالنسبة للفلسفة فقد كان يرى أن الثقافة العربية لم تعش بمعزل عن نظيرتها اليونانية، والدليل هو ما تمت ترجمته من معارف الإغريق وفلسفاتهم وعلومهم، وانعكس على الكثير من النصوص العربية في الأدب والفلسفة والفكر والعلوم، بل وصل الأمر إلى أن ابن رشد انطلق شارحا أريباً للفلسفة اليونانية، فصار وسيطاً بينها وبين أوروبا الحديثة، وله في هذا فضل كبير على نهضتها التي بدأت في القرن السادس عشر.
وفى الوقت الذى تتسم فيه عقائد الإغريق بتعدد الآلهة والأبطال الأسطوريين، نجد فلسفتهم تعتمد، في جانب كبير منها، على الحوار، ولعل المثل الأبرز الذي يضرب في هذا هي «محاورات أفلاطون» الثماني والعشرين التي تختلف من واحدة إلى أخرى، في الشكل والمضمون والمقاربة، وتشمل مختلف مجالات العلم والمعرفة والقيم الإنسانية، مثل العدل والحرية والشجاعة والشهامة.
إلخ، ويحاور في أغلبها سقراط العديد من الفلاسفة الذين سبقوا أفلاطون، وعلى رأسهم بروتاجوراس وبارمنيدس إلى جانب السوفسطائيين.
وقد وصف طه حسين فلاسفة الإغريق الأقدمين بأنهم «قادة الفكر»، ثم قدم درساً بليغاً فى تحديد ماهيتهم، حين خالف كثيراً من الرؤى السائدة، التى تآلف عليها الناس، قاصرين أمثال هؤلاء على البارزين من منتجى المعرفة والفنون، بشتى أنواعهما، فأضاف إلى هوميروس وسقراط وأفلاطون وأرسطو، كلاً من الإسكندر الأكبر ويوليوس قيصر، لأنه رأى أن هذين القائدين العسكريين والسياسيين الكبيرين قد ساهما في نقل فلسفة اليونان والرومان ونظاميهما السياسي إلى الشرق والغرب، فساح كل هذا في الأرض، ووصل إلى الجميع، وترك بصمة لا تزال سارية في الأذهان إلى وقتنا الحاضر.
أما المصدر الثالث فهو المسرح الفرنسي، وكان بالنسبة لطه حسين ليس مكاناً للهو أو الحزن، فيحدثنا في عجالة عن ملاهي موليير ومآسى راسين، أو يعرض وينقد بعض المسرحيات في كتابيه «صوت باريس» و«من أدب التمثيل الغربي» إنما كان مصدراً للتعلم والفهم، لا يقل عن الجامعة، بل يكمل مهمتها ولا يخصم منها أو يناقضها، فمسارح باريس لديه لها أثر قد لا يكون أقل من أثر السوربون والكوليج دى فرانس والمجامع العلمية المختلفة»، لأنها في نظره «ملاجئ للعقل الإنساني، والشعور الإنساني».
وبانت حوارية طه حسين بجلاء في «جنة الشوك»، التي تأخذ شكل القصة القصيرة جداً أو «الأبيجراما»، إذ أضفى على هذا اللون من الأدب طابعاً حوارياً، يجري بين «الطالب الفتى» و«أستاذه الشيخ»، فيقول الأول قولاً، أو يسأل سؤالاً، ويكمل الثاني أو يجيب.
وتم هذا في أغلب المقطوعات، التي جعل الكاتب لكل منها عنواناً محدداً.
وتوجد فيها حوارات تجرى بين «صاحب» و«صاحبه»، وأخرى بين «شهرزاد» و«شهريار» أو بين «أمير» و«نديم» وبين «أديب» و«قارئ»، وتغذي هذه المقطوعات أحياناً روافد من القرآن والحديث النبوى والشعر، وكثيراً من الموروث العربي والأدب العالمي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك