صنعاء 5 يونيو 2026 (شينخوا) على مدى سنوات طويلة قبل اندلاع الحرب في اليمن، ظل اليمني حمود سعد يتنقل بين عشرات القرى السكنية في ريف محافظة تعز حاملاً على ظهره حزم الحطب لبيعها للسكان، لكن هذه المهنة التقليدية لم تكن قادرة آنذاك على تأمين مصدر رزق يكفي لسد احتياجاته، ما اضطره في نهاية المطاف إلى تركها والبحث عن مهنة أخرى توفر له ولأسرته دخلاً أفضل.
لكن اليوم، وبعد سنوات من النزاع الدامي الذي أنهك اليمن، عادت مهنة الاحتطاب وبيع الحطب إلى الواجهة بقوة، لتصبح مصدر دخل رئيسياً للكثير من العاملين فيها، وذلك مع اعتماد السكان على الحطب كوسيلة أساسية لطهو الطعام والتدفئة وتسخين المياه، وفي بعض الصناعات الحرفية التقليدية، في ظل تراجع خدمات الطاقة وارتفاع أسعار الوقود والغاز المنزلي وانعدامها في أوقات كثيرة.
ويقول محمد علي صلاح، الذي يعمل في مهنة الاحتطاب وبيع الحطب، إن هناك طلباً متزايداً على الحطب، وإن هذه المهنة باتت مربحة وتوفر له دخلاً أفضل لأسرته.
ويتوجه صلاح وزوجته إلى مناطق جبلية في مديرية جبل حبشي، وهي منطقة ريفية جنوب شرق محافظة تعز، للاحتطاب أو لشراء الحطب بمبالغ زهيدة من ملاك الأراضي، قبل أن يعود محملاً على متن سيارته بأكوام من الحطب لبيعها في أحد الأسواق الشعبية بمدينة تعز.
ويؤكد أن الطلب على الحطب ارتفع خلال السنوات الأخيرة، فالكثير من الأسر لم تعد قادرة على تحمل تكاليف مصادر الطاقة الأخرى، ما جعل الحطب خياراً اضطرارياً بالنسبة للكثير من هذه الأسر.
وفي سوق الحطب بمدينة تعز، ينتظر عزالدين عبدالله، وهو في العقد الرابع من العمر، دوره لتحميل كمية من الحطب على متن دراجته النارية.
ويقول إنه لم يكن يعتمد على الحطب في السابق، لكن ارتفاع أسعار الغاز المنزلي وصعوبة الحصول عليه بصورة منتظمة دفعاه إلى البحث عن بدائل أقل كلفة.
وتعتمد أسرة عبدالله، المكونة من 7 أشخاص، على استخدام الحطب بشكل شبه يومي لإعداد الطعام، ورغم إدراكه للمخاطر البيئية الناتجة عن قطع الأشجار، إلا أنه يرى أن الأولوية بالنسبة له تتمثل في توفير احتياجات أسرته اليومية.
ومع احتفال العالم باليوم العالمي للبيئة، الذي يصادف الخامس من يونيو من كل عام، يواجه اليمن تحديات بيئية متفاقمة، وتبرز ظاهرة الاحتطاب الجائر كواحدة من أخطر هذه التحديات لما تسببه من تدهور للغطاء النباتي واستنزاف الموارد الطبيعية ومفاقمة مشكلة التصحر وفقدان التنوع الحيوي.
ويرى خبراء بيئيون يمنيون أن الاحتطاب الجائر تسبب في خسائر واسعة في الغطاء النباتي، وأن هذه الظاهرة باتت تهدد النظم البيئية والتنوع الحيوي والموارد الطبيعية في البلاد.
ويقول المهندس عبدالله حمود أبو الفتوح، مدير عام التنوع الحيوي في الهيئة العامة لحماية البيئة بوزارة المياه والبيئة اليمنية، إن الغابات والمراعي تعد من أهم الموارد الاجتماعية والاقتصادية في الريف اليمني، حيث يعتمد قطاع واسع من السكان على الزراعة وتربية الماشية والنحل، بينما تشكل الغابات والمراعي الحاضن الأساسي لهذه الأنشطة.
ويضيف لوكالة أنباء ((شينخوا)) أن الثروة الحراجية، التي تشمل الغابات والمحميات والأشجار، والثروة الرعوية تمثلان ركيزة أساسية لاقتصاد الريف اليمني الذي يعيش فيه أكثر من 70 بالمئة من السكان، وتسهمان بصورة مباشرة وغير مباشرة في دعم الاقتصاد الوطني.
ويشير أبو الفتوح إلى أن التقديرات تفيد بأن نحو 1800 فرن في أمانة العاصمة صنعاء وحدها تستهلك كميات كبيرة من الحطب، حيث يستهلك الفرن الواحد حمولتين شهرياً، وتضم كل حمولة ما يعادل نحو 50 شجرة، ما يعني استهلاك ما يقارب 180 ألف شجرة شهرياً، وأكثر من 2.
1 مليون شجرة سنوياً.
ويعتبر أن استمرار هذا النمط من الاستهلاك يؤدي إلى خسائر واسعة في الغطاء النباتي، ويهدد النظم البيئية والتنوع الحيوي والموارد الطبيعية، الأمر الذي يستدعي تنفيذ دراسات ميدانية شاملة لتحديد المناطق الأكثر تضرراً، وإطلاق برامج توعوية وحملات لحماية الغطاء النباتي والحد من الأنشطة المضرة بالتنوع الحيوي.
كما يشدد على ضرورة اتخاذ سلسلة من الإجراءات الإدارية والتنظيمية تشمل توفير بدائل للطاقة للمستهلكين، وتعزيز الرقابة على عمليات الاحتطاب، وتنسيق الجهود بين الجهات الحكومية المعنية بالبيئة والزراعة والسلطات المحلية، بما يسهم في الحد من استنزاف الموارد الطبيعية.
من جانبه، يرى الخبير البيئي والأكاديمي اليمني الدكتور خالد عبدالجليل النجار أن ظاهرة الاحتطاب الجائر باتت اليوم تمثل واحدة من أخطر التحديات البيئية التي تواجه اليمن، لما تسببه من تدهور متسارع للغطاء النباتي وتهديد مباشر للتوازن البيئي والأمن المناخي والغذائي في البلاد.
ويؤكد النجار، وهو أيضاً أستاذ الجغرافيا الاقتصادية وعميد مركز الدراسات البيئية وخدمة المجتمع بجامعة تعز الحكومية، أن التقديرات تشير إلى أن اليمن يفقد سنوياً أكثر من 6.
7 ملايين شجرة، بما يعادل تدهور نحو 16 ألفاً و917 هكتاراً من الأراضي المشجرة والمحميات الطبيعية، في ظل اعتماد آلاف الأسر على الحطب كمصدر رئيسي للطاقة نتيجة الأوضاع الاقتصادية وأزمة الوقود.
ويضيف أن استمرار قطع الأشجار البرية والمعمرة، وفي مقدمتها أشجار السدر والسمر والطلح والضدو، يشكل تهديداً خطيراً للتنوع الحيوي، كون هذه الأشجار تمثل موائل طبيعية للعديد من الكائنات الحية، كما ترتبط بها أنشطة اقتصادية مهمة مثل تربية النحل وإنتاج العسل اليمني الشهير، فضلاً عن دورها الحيوي في حماية التربة والحفاظ على التوازن البيئي.
ويحذر النجار من أن استمرار هذه الظاهرة دون تدخلات عاجلة سيقود إلى سيناريوهات بيئية خطيرة، تشمل اتساع رقعة التصحر التي ارتفعت مؤخراً إلى نحو 17 بالمئة من مساحة البلاد، وتراجع الموارد المائية، وفقدان المزيد من الأراضي الزراعية، وتدهور التنوع الحيوي، وزيادة معدلات النزوح البيئي والفقر، وصولاً إلى تهديد الأمن الغذائي والاستقرار المجتمعي في اليمن.
وتعتبر الحكومة اليمنية أن ظاهرة الاحتطاب الجائر تمثل" مصدر قلق حقيقي".
ويقول وكيل وزارة المياه والبيئة في الحكومة اليمنية المعترف بها، إن ظاهرة الاحتطاب الجائر تمثل إحدى نتائج الأزمة المركبة التي تعيشها اليمن، وإن معالجة هذه الظاهرة لا يمكن أن تتم من خلال التعامل مع نتائجها فقط، بل تتطلب معالجة الأسباب الجذرية المرتبطة بالفقر وانعدام الأمن الغذائي وتدهور الخدمات الأساسية.
ويضيف أن ملايين اليمنيين يواجهون أوضاعاً معيشية صعبة دفعت كثيراً منهم إلى اللجوء للحطب كمصدر بديل للطاقة في ظل ارتفاع معدلات الفقر وتراجع القدرة على الحصول على الوقود واحتياجات الحياة الأساسية، الأمر الذي جعل الاحتطاب واحداً من التحديات التي لا يمكن فصلها عن التحديات الأوسع المرتبطة بالمياه والمناخ والغذاء والطاقة.
ويلفت نعمان إلى أن الحكومة أقرت مؤخراً الاستراتيجية الوطنية للتنوع الحيوي لعام 2026، والتي تتناول العديد من القضايا البيئية المرتبطة بالحفاظ على الموارد الطبيعية والتنوع الحيوي، إلى جانب وجود جهود تبذل في مجالات المياه والتكيف مع التغيرات المناخية ومكافحة التدهور البيئي.
ويؤكد أن الاحتطاب الجائر يمثل مصدر قلق حقيقياً لما يسببه من تدهور للغطاء النباتي واستنزاف للموارد الطبيعية، مشيراً إلى أن الحد من هذه الظاهرة يتطلب أولاً معالجة الظروف الاقتصادية والإنسانية التي تدفع المواطنين إلى قطع الأشجار لتلبية احتياجاتهم المعيشية.
ومع تفشي ظاهرة الاحتطاب الجائر في أنحاء اليمن، تسعى مبادرات محلية متنوعة للتوعية بمخاطر هذه الظاهرة على البيئة والمجتمع.
ويقول الصحفي عماد مشرع، مدير التحرير في منصة ((ريف اليمن)) الصحفية المتخصصة بقضايا الريف اليمني، إنهم يعملون على إنتاج مواد صحفية متنوعة باستمرار للتوعية بمخاطر الاحتطاب الجائر وآثاره السلبية على البيئة والحياة العامة.
ويوضح أن المنصة عملت، كمبادرة منها، على إعداد ونشر مواد صحفية وإنتاج فيديوهات توعوية وقصص رقمية وتصاميم إنفوجرافيك توضح تأثير الاحتطاب الجائر على الغطاء النباتي والتوازن البيئي بشكل عام، في محاولة مستمرة لرفع وعي المواطنين بأهمية الحفاظ على الأشجار والغطاء النباتي، والحد من عمليات القطع العشوائي، وتشجيع الممارسات البديلة التي تسهم في حماية البيئة واستدامة الموارد الطبيعية.
ويؤكد أن جهود التوعية، مهما كانت، لن تحقق النتائج المرجوة ما لم تتكامل مع الجهود الحكومية من خلال تفعيل القوانين الرادعة وتجريم الممارسات التي تستهدف الأشجار والغطاء النباتي، بما يسهم في الحد من الظاهرة وحماية الموارد الطبيعية.
كما يشير إلى أن معالجة الظاهرة تتطلب كذلك توفير البدائل المناسبة للسكان، وفي مقدمتها الغاز المنزلي، إذ يضطر كثير من الأهالي إلى اللجوء للاحتطاب باعتباره الخيار المتاح لإعداد الطعام في ظل صعوبة الحصول على مصادر طاقة بديلة وبأسعار مناسبة.
ويعاني اليمن من نزاع دموي منذ أكثر من 12 عاماً، تسبب في تدهور مختلف مناحي الحياة في هذا البلد الفقير، ودفع أعداداً متزايدة من السكان إلى الاعتماد على الحطب كمصدر للطاقة ومورد للرزق، في وقت تتزايد فيه المخاوف من الكلفة البيئية المتصاعدة لهذه الظاهرة على مستقبل الموارد الطبيعية والتنوع الحيوي في البلاد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك