مادبا - في شوارع مدينة مادبا وحاراتها العتيقة، حيث تمتزج رائحة التاريخ بصخب الحياة اليومية، يتردد رنين الصنجتين النحاسيتين كنبض قديم لا يغيب عن ذاكرة المكان.
وبين الأزقة الحجرية والأسواق الشعبية، يشق البائع الأربعيني عيسى سمعان طريقه بخطوات اعتادت حرارة الصيف وطول المسافات، حاملا على كتفه إبريقا نحاسيا وصناجتين تعلنان حضوره قبل أن يصل صوته إلى المارة، فيما يردد بندائه المعروف: " اروي عطش الصيف بالتمر الهندي".
ومع ساعات الصباح الأولى، تبدأ رحلة عيسى اليومية في إعداد شراب التمر الهندي، حيث يحرص على تحضيره بالطريقة التقليدية التي تعلمها من عائلته منذ سنوات طويلة.
فالمهنة بالنسبة له ليست مجرد بيع مشروب يخفف حرارة الصيف، بل حكاية متوارثة ارتبطت بذاكرة الناس وأيامهم القديمة، حين كانت أصوات الباعة الشعبيين جزءا من تفاصيل المدن الأردنية وأسواقها.
اضافة اعلانبدأ عيسى العمل في هذه المهنة وهو في الثانية عشرة من عمره، حين كان يرافق والده وأفراد عائلته في جولات البيع داخل أسواق مادبا القديمة وحاراتها الشعبية.
هناك، تعلم كيف يحمل الإبريق النحاسي على كتفه لساعات طويلة، وكيف يستخدم الصنجتين لجذب انتباه المارة، وكيف يتحمل حرارة الصيف القاسية بحثا عن رزق بسيط يعين العائلة على متطلبات الحياة.
ويقول عيسى إن طفولته كانت مختلفة عن كثير من الأطفال، إذ ارتبطت مبكرا بالعمل والمسؤولية، لكنه لم يشعر يوما بالخجل من المهنة، بل كان يعتبرها مدرسة علمته الصبر والاعتماد على النفس والتعامل مع الناس بمختلف طباعهم.
ويضيف أن والده كان يوصيه دائما بالتمسك بالرزق الحلال مهما كانت صعوبة الطريق، وهي الكلمات التي ما تزال ترافقه حتى اليوم في كل جولة يقوم بها داخل المدينة.
ومع مرور السنوات، أصبح عيسى من الوجوه المعروفة في مادبا القديمة، إذ اعتاد السكان رؤية الإبريق النحاسي المعلق على كتفه وسماع رنين الصنجتين الذي يسبق حضوره.
وكثيرا ما يتوقف كبار السن للحديث معه واستعادة ذكريات الزمن الجميل، حين كانت المهن الشعبية تملأ الأسواق وتمنح المكان روحا مختلفة ما تزال عالقة في الذاكرة.
ويشير إلى أن بيع التمر الهندي في الماضي كان يحظى بإقبال أكبر، خاصة في أيام الصيف والمناسبات الشعبية، حيث كان الناس ينتظرون مرور البائع في الحارات والأسواق.
أما اليوم، فقد تغيرت أنماط الحياة واختفت كثير من المهن التقليدية أمام المحال الحديثة والمشروبات الجاهزة، الأمر الذي جعل الاستمرار في هذه المهنة أكثر صعوبة من السابق.
ورغم ذلك، ما يزال عيسى متمسكا بها، ليس فقط لأنها مصدر رزقه الوحيد الذي يوفر من خلاله قوت عائلته، بل لأنها تمثل بالنسبة له جزءا من هوية مادبا وتراثها الشعبي.
ويؤكد أن التخلي عن هذه المهنة يعني التخلي عن سنوات طويلة من الذكريات والتعب والإرث العائلي الذي نشأ عليه منذ الصغر.
ويبدأ يومه قبل طلوع الشمس، فينشغل بتحضير الشراب وتجهيز الأدوات التقليدية التي رافقته منذ سنوات، قبل أن ينطلق إلى الأسواق والحارات القديمة.
ومع اشتداد حرارة النهار، يواصل السير والتنقل بين الأزقة، متحملا التعب وطول ساعات الوقوف، على أمل أن يكون اليوم أفضل من سابقه.
ويقول إن أصعب ما يواجهه اليوم ليس التعب الجسدي فقط، بل شعوره بأن المهن الشعبية القديمة أصبحت مهددة بالاختفاء مع تغير الزمن، لافتا إلى أن كثيرا من الشباب لم يعودوا يقبلون العمل في هذه المهن رغم ما تحمله من قيمة تراثية وإنسانية كبيرة.
ورغم التحديات، يشعر عيسى بالفخر حين يلتف حوله الأطفال أو يطلب الزوار التقاط الصور معه، معتبرين أن حضوره جزء من المشهد التراثي الذي يميز مادبا القديمة.
كما أن بعض الأهالي ما يزالون يحرصون على شراء التمر الهندي منه تحديدا، لأنهم يرون فيه امتدادا لذكريات الطفولة وأيام البساطة القديمة.
ويؤكد عيسى أن المهن الشعبية لا تحفظ فقط مصدر رزق لأصحابها، بل تحفظ أيضا روح المدن وهويتها، لأن لكل مهنة حكاية وصوتا وملامح ارتبطت بتاريخ المكان والناس.
ويضيف أن رنين الصنجتين بالنسبة له لم يعد مجرد وسيلة لجذب الزبائن، بل أصبح صوتا يروي قصة عمر طويل قضاه متنقلا بين شوارع مادبا وأسواقها القديمة.
وبين حرارة الصيف ورائحة الأزقة العتيقة، يواصل عيسى رحلته اليومية بصبر طويل وإيمان لا يتغير، حاملا على كتفه إبريق التمر الهندي، وفي قلبه حكاية مهنة ورثها عن عائلته، وما يزال يحاول الحفاظ عليها رغم تغير الزمن واختفاء كثير من ملامح الماضي الجميل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك