التفكير في فك شفرات قصّة «قابيل» وأخيه المكلوم «هابيل»، لا تزال محورًا للتأويل وتخضع لوضعها تحت مجهر التحليل النفسي، كلَّما رغب البشر في تفسير سلوك شاذّ أو الحديث عنه.
فظاهر الأمر، حادث يوضِّح ما قد يفعله الخير بالشرّ، وإن كان البعض يعملون على تأويله بأنه العاقبة الوخيمة للحسد.
وبتحليل الموقف عن كثب أكثر، يلاحظ أن المغدور به هو الأخ الشقيق للمجرم، الذي لطالما أحسن له، وخاصة عند المعاملة.
ولقد بلغ الحسد من «قابيل» أنه فقط لم يتمنَّ زوال النعمة من أخيه، بل دمره أيضًا، بقتله.
ومن جرَّاء فعلته الشنعاء تلك، بدأت المعاصي تسود على ظهر الأرض، وعلم الإنسان معنى القهر والظلم، وأن الشرّ غالبًا له اليد الطولى التي تتيح له تغيير مجريات الأمور.
وبناء على نظريات التحليل النفسي الحديثة التي غالبًا ما تعطي العذر لمقترفي الجرائم وتكرر أن الشعور بالقهر قد يفعل أكثر من هذا وبالتحديد تلك النقطة قد تشعَّبت فيها الآراء، فهي كانت ولا تزال محلّ خلاف عميق وتقدير شخصي للأمر من قبل السامع أو القاضي أو حتى المغدور به.
والجدير بالذكر هنا، أن تلك القصة البسيطة المتوارثة، هي أساس التحليل السيكولوجي للنفس البشرية التي تعمل الظروف على تشويهها.
وعند التطرُّق للألوان الأدبية، بوجه عام، سواء أكانت مكتوبة أم يتم تجسيدها على المسرح وشاشات العرض في السينما، كان البشر يقدَّمون كمجرَّد أنماط، ليس إلَّا؛ فهناك الطيب والشرس والشرير، وكل فرد لا يتعدَّى أبدًا حدود المنظومة المخصصة له.
فالشخصيات الرمادية التي يتداخل فيها الخير والشرّ لم تكن حاضرة.
أضف إلى هذا، أن تهمة الشرّ كانت تُلصق غالبًا بالطبقات العليا في المجتمع، في حين أن جميع الصفات الحميدة كانت تُنسب للفلاحين والطبقات الفقيرة، التي تكدّ وتكدح حتى تفي بمتطلبَّات يومها، وقد لا تجني إلَّا أقلّ القليل.
وتعددت الأسباب وراء ذلك التصوير العاطفي للأوضاع الاجتماعية، التي على رأسها إرضاء القاعدة العريضة للجمهور، وإن كانت الأسباب الحقيقية سياسية، والغرض منها أن يصبر الفقراء على الابتلاء.
مع العلم أن هذا النسيج الروائي البشري يُخالف تمامًا خبايا القصة التقليدية المتوارثة عن قتل «قابيل» لأخيه «هابيل».
وربما كان من أوائل من فكك تلك الرؤية العاطفية النمطية للنسيج الأدبي الروائي الفرنسي «أونوريه دي بلزاك» Honoré de Balzac (1799-1850) الذي ثار على هذا الوضع ووجد الأنماط هراء محض، المراد منه حصد التصفيق وكسب المزيد من الأموال من خلال التلاعب بمشاعر القاعدة العريضة من الشعب، التي تتألَّف غالبًا من الفقراء.
ولا عجب في ذلك، فقد كانت لديه الشجاعة الكافية أن يميط اللثام عن جميع خبايا النفس البشرية ويفضح ما يجاهد أن يستره الإنسان من عيوب في عمله الخالد «الكوميديا الإنسانية» La Comédie Humaine (1829-1848) الذي يضمّ مجموعة من الروايات والقصص التي تفسِّر السلوك البشري.
ولعلّ النواة الحقيقية لهذا المؤلَّف كانت رواية «ابنة عمي بِتْ» La Cousine Bette (1848)، التي حثَّته على وجوب وضع أعماله ذات طابع التحليل النفسي العميق، في مؤلَّف واحد.
وتعدّ رواية «ابنة عمي بِتْ» La Cousine Bette عصرية الطابع؛ فأسلوب كتابتها وتعقيد وتشابك وتعدد العلاقات والأحداث بها يُشابه «أوبرا الصابون» أو الحلقات المسلسلة التي تعرضها شاشات التلفزيون وتلقى رواجًا عالميًا واسعًا، ويتفاعل الجمهور مع أحداثها.
وقد كتبها «بلزاك» بأسلوب مُغاير تمامًا لما تعوَّد الجمهور أن يقرأه في أعماله؛ فالأحداث كثيرة ومتشعِّبة ومتلاحقة، واللغة خالية من التنميق وتميل للواقعية والسهولة حتى يسهل فهمها من قبل جميع الطبقات.
وأمَّا الوجه الصَّادم لهذه الرواية فهو أنها عملت على «تفكيك» Deconstruct جميع الصور النمطية للمجتمع، بل وإنه بكل شجاعة ودون أن يخشى النقد، قام بحرفية بـ «تفكيك» الصورة المثالية السائدة لأبناء الريف، الذين يتم تصويرهم كمثال للكدّ والاجتهاد والطيبة والإخلاص.
والدافع وراء كتابة هذا العمل الاجتماعي الواقعي الجريء له شقّ سياسي وآخر شخصي، وإن تربَّع عليهما ولعه بتحليل ونقد سلوك الأفراد في المجتمع الفرنسي، الذين هم ترس فاعل في الآلة السياسية والاقتصادية.
كتب «بلزاك» رواية «ابنة عمي بِتْ» حينما وصلت حالته الاقتصادية إلى الحضيض؛ فقد خسر أمواله بسبب دخوله في مشروعات فشلت جميعًا، أضف إلى ذلك أنه شخص شديد التبذير، ولا يرضى أبدًا بأن يتنازل عن مستوى معيشة ألفه ويروقه.
ولقد عُرض عليه في ذاك الوقت أن يكتب رواية لإحدى الصحف في شكل حلقات مسلسلة، وعرض عليه الناشر أن تتم محاسبته ماليًا عن كل سطر يكتبه.
كان بالفعل هذا عرضاً مغرياً له في ذلك الوقت العصيب، بيد أن الدافع الحقيقي الذي جعله يقبله بدلًا من أن ينشر رواية مكتوبة، كعادته، لتدر عليه الأرباح، هو الغيرة المهنية.
فقد راعه حينها أن غريمه المهني، الروائي «أوجين سو» Eugène Sue يحقق نجاحًا لا نظير له بكتابته لرواية تدور أحداثها حول الحياة في الريف، وتبرز تعرُّض الريفيين والفلاحين للظلم والفقر، ومدى تحملهم مشاق الحياة بصدق وعزيمة لا تهون.
وجد «بلزاك» ذاك التصوير الرومانسي لحياة الريف مجرَّد أسلوب عاطفي لإثارة المشاعر، ووصم هذا العمل بالهراء المحض.
ومن ثمَّ، عمد على تفكيك تلك الصورة بتقديم الواقع بما يحمله من خبايا.
أضف إلى ذلك، كان ذكاء «بلزاك» يطمح إلى ما هو أبعد من ذلك؛ فبعد نشر الحلقات المسلسلة للرواية في الصحيفة، كان يعتزم أن تحقق نجاحاً مماثلاً عندما يطبعها الناشر الخاص به في شكل رواية.
وبهذا، يستفيد الجميع وتصبح فائدته مضاعفة.
وأمَّا متن الرواية في حدّ ذاته، فلقد تميَّز بالجدية الشديدة والسخرية المستترة للوضع السياسي المتردِّي الذي انعكس على سلوك الأفراد، وأدَّى إلى ظهور العديد من الأمراض الاجتماعية.
فكانت خلفيته السياسية حقبة «الملك لويس فيليب» Louis-Philippe المعروفة باسم «ملكية يوليو» July Monarchy (1830-1848)، التي لم تدم طويلًا.
فلقد استطاع «الملك لويس فيليب» إزاحة «عصر آل بوربون» بمظاهرة شعبية، وتولى الحكم بعد أن عدَّل نظام الحكم إلى المؤسسية الملكية، فيما يشبه النظام الجمهوري، وإن كان يترأسه ملك.
حاول «الملك لويس فيليب» أن يعطي سطوة للفقراء تحت شعار «اشرعوا في جعل أنفسكم أغنياء».
بيد أن ما حدث لم يكن في الحسبان، فقد أخرج منح الحرِّيات الكاملة، بشكل مفاجئ، للطبقات المهمشة، ما في صدورهم من شعور بالقهر والغلّ إزاء من كانوا يظلمونهم.
ولهذا، ما حدث هو أنه بدلًا من أن تنشغل تلك الطبقات بترقية نفسها، أصبح كل همها الانتقام من الطبقات الأرستقراطية وإنزال جميع ألوان البلاء بهم؛ حتى يقاسوا ما تذوقوه من قبل.
أضف إلى هذا، تسيَّدت الطبقة البرجوازية المشهد الحضري بدلًا من النبلاء، وفرضت واقعًا جديدًا وسلوكًا لم يكن مألوفًا في حقبة «آل بوربون»، فقد استمدوا سلوكهم من تفاصيل واقعهم المهمَّش الذين عاصروه طوال عمرهم، فيما سبق.
هذا الموضوع الغني بالتفاصيل استلزم «بلزاك» وضع حبكة تليق به، وتكون جاذبة للقرَّاء من جميع الطبقات، دون أن تجعل نفرًا يستفزَّ نقده اللاذع للسلوك الإنساني المشين.
ولقد حقق «بلزاك» ذلك بالفعل، ولاقى عمله رواجًا كبيرًا، لدرجة أنه كان يكتب بلا انقطاع على مدار خمس عشرة ساعة في اليوم الواحد.
والبذرة الأساسية لحبكة الرواية كانت أمراً واقعاً عاشه «بلزاك» ولاحظه من كثب؛ حيث إنّ بطلة الرواية هي تجسيد مشابه لإحدى قريباته من سكَّان الريف، وكانت عائلته الأرستقراطية تستضيفها.
لكنها بدلًا من الاندماج وإظهار السعادة لوجودها معهم، كانت تبادل مودَّتهم لها بالاستياء والنفور، وتظهر اشمئزازًا لعاداتهم الأرستقراطية وسلوكهم، الذي لا تنفك أن تكيل له نقدًا لاذعًا.
فإظهار الكره لهم بالرغم من محاولتهم إسعادها، كان أساسه الشعور بالحسد لما يمتلكونه وتفتقده هي.
وعلى هذا الأساس، بنى بلزاك رواية «ابنة عمي بتْ»، التي محورها الآنسة «بتْ» Bette أو «ليزابت» التي كانت تعيش في القرية، واستقدمتها ابنة عمها الأرستقراطية «أديلين» Adeline لتعيش معها في باريس.
وبالرغم من أن «بت» هي بالفعل مثال حي لصفات أبناء القرى الذين يتسمون بالجدية والكدّ والمثابرة والاقتصاد وعدم التبذير، لكنها أيضًا لا تتمتَّع بالجمال، ووصل عمرها إلى ما بعد العقد الرابع ولم يطرق الزواج بابها.
أضف إلى هذا، كان شخص ابنة عمها «أديلين» هو نقيضها في كل شيء، ويجسِّد كل أمل طمحت له، ولم يكن من نصيبها.
فـ «أديلين» سيدة تتمتع بجمال أسطوري، وخلق رفيع يرقى إلى أسمى المستويات، وساندها الحظ لأن تتزوَّج من «بارون» كان يعمل بالجيش إبَّان عصر الإمبراطور «نابليون بونابرت»، وهو ينتمي لأسرة عريقة وشديدة التماسك.
كانت الغيرة تنهش قلب «بتْ» لكنها آثرت إخمادها بأن تحاول لعب دور الأم لأحد شباب هذه العائلة الذي كان يومًا مُصابًا ومريضًا.
لكنه فاجأها بأنه خطب فتاة، وأنه على وشك الزواج منها، أي أنه سوف يستقل بحياته بعيدًا عنها.
في تلك اللحظة، تأججت بداخلها نيران الغيرة، وأقنعت نفسها أن التمسُّك بالخلُق القويم لا يُجدي؛ ومن الأحرى لعب دور الشيطان الشرير الذي يكون بمثابة عصا حديدية توضع خلسة في آلة تلك العائلة، لتقف دون أن يعلم أحد موضع العطب، أو بمعنى آخر، قررت أن تدمِّر هذه العائلة.
فما كان منها إلَّا أن أغوت كل فرد وزينت طريق الضلال له بعد أن درست نقاط ضعف كل منهم.
والسبب في هذا، أنها رغبت في أن تكون هي صاحبة الأمر والنهي في تلك العائلة بعد أن فشلت في ممارسة ذلك على الشاب الصغير الذي فلت من قبضتها.
ومن ثمَّ، قررت أنها إذا لم تستطع فعل ذلك علانية، فسوف تنفذه خلسة.
وكان أوَّل ضحاياها هو البارون، زوج ابنة عمّها الذي لم يصبح له دور مهم في الحياة في حقبة «ملكية يوليو»، ولهذا زيَّنت له طريق الانحراف والدخول في علاقات شبقية محرَّمة، والتي حزنت بسببها ابنة عمها «أديلين» لدرجة أنها ماتت قهرًا.
ومن ناحية أخرى، كانت تلعب دور الجاسوس الذي ينقل أخبار مفاسد البارون لأخيه الأكبر لكي يحرمه من الميراث، وهذا بعد أن وعدها بالزواج.
ومن ناحية أخرى، أغوت سيدة المجتمع مكيافيلية النزعة «فاليري مارنيف»Valérie Marneffe وزيَّنت لها الخيانة الزوجية مع العديد من الرجال ذوي النفوذ، ومن بينهم البارون، بأن أخبرتها عن مواطن ضعف كل فرد فيهم وكيفية الوصول إليه، لكي تصير السيدة التي بيدها التحكُّم في مصائر الرجال، ودرَّبتها بالفعل إلى أن أتقنت هذا الدور ونجحت فيه.
في نهاية الأمر، طبّقت «بتْ» السيدة القروية الفقيرة، مقولة «خادم القوم سيدهم»، وأصبحت المسيطر وذات النفوذ على تلك العائلة.
لكنها بعد أن حققت هذا وزعزعت هذا الاستقرار وأفسدت الأخلاق القويمة، ضاعت آمالها أيضًا بموت الأخ الأكبر للبارون، وصار قدرها الذي يلازمها أن تظلّ خادمة مهما نجحت في لعب دور الشيطان الشرير.
ويُسقط «بلزاك» خاتمة الرواية على فشل ثورة «ملكية يوليو» بعد نشوب «ثورة 1848» التي تعرف أيضًا باسم «ثورة فبراير» أو «الربيع الفرنسي» الذي انتقل إلى جميع دول أوروبا وأصبح يُعرف باسم الربيع الأوروبي.
وما حدث هو أن تجمهر الشعب وخلع الملك «لويس فيليب» وتعيين حفيد «نابليون بونابرت» واسمه «نابليون الثالث» ليكون أوّل رئيس للجمهورية الفرنسية.
لكنه سرعان ما أعلن نفسه إمبراطورًا على البلاد، وآلت الأوضاع إلى أقسى درجات السوء في عهده.
من الصعب على كاتب جاد يحترم قيمة ما يقدّمه من أعمال أن يقدِّم لجمهوره فنًّا هابطًا تحت ذريعة رغبة الجمهور أو الحاجة للمال، لأن ذلك كله لم يمنع «بلزاك» من تقديم عمل نقدي سياسي-اجتماعي عميق قوامه التحليل النفسي الدقيق وسبر أغوار النفس البشرية وما يشوبها من عوار.
لقد وضع «بلزاك» يده على موطن الضعف الذي يؤدِّي إلى هلاك المجتمعات والأمم، ومن قبلهما الأفراد، ألا وهو اللهث خلف الرغبات الدنيئة وتخويل السلطة لمن لا يستحقَّها؛ لأن ذلك يفضي إلى خلق وحوش آدمية، لا محالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك