محمد رشدى، أيقونة الغناء الشعبى وصوت البسطاء الذي هز عرش كبار المطربين، على مدار رحلة فنية طويلة استمرت نصف قرن، بدأ شهرته بأغنية" قولوا لمأذون البلد ييجى يتمم فرحتى"، وقدم للسينما ستة أفلام فقط، كون ثنائيا مع الشاعر عبد الرحمن الأبنودى، وكانت أغنية “دامت لمين” آخر أغانيه، ووصفه الأديب إحسان عبد القدوس بـ" علامة في تاريخ الأغنية الشعبية من عصر الترجمة والتعريب إلى عصر اكتمال الشخصية الشعبية"، كما أنه قدم للسينما 6 أفلام فقط،أشهرها حارة السقايين، ورحل فى مثل هذا اليوم عام 2005.
ولد الفنان محمد رشدى عام 1928، وبدأت قصته مع الغناء حينما قررت أم كلثوم يوما الذهاب إلى مدينة دسوق لتغنى فى حفل غنائي هناك، اصطنع جميع الطرق حتى تسمع أم كلثم صوته وهو يغنى، فأعجبت" الست" بصوته بل وشجعته، وهو ما دفعه لإقناع والده بالالتحاق بمعهد الموسيقى العربية حيث كان رافضا عمل ابنه بالفن خاصة بعد أن حفظ القرآن كاملا، وتخرج فيه عام 1949.
عن طفولته وبداياته يقول محمد رشدى: عشت طفولتي مثل أي طفل عادي في قرية من قرى مصر اسمها" دسوق" مع ثلاث شقيقات، ولمساعدة والدي على أعباء الحياة التحقت بالعمل في مصنع للطوب، وهناك كنت أغني للعمال أغاني ليلى مراد، لكن صاحب المصنع اعتبر غنائي مضيعة للوقت، فطردني، وحدث أن نجح ابن العمدة في الانتخابات ودعا السيدة أم كلثوم للغناء في قريتنا، فجاءت وغنيت لها أغاني ريفية من تراث بلدنا، بالإضافة إلى أغنيتها" أنا في انتظارك" فقالت للعمدة" الولد ده صوته حلو" يجب أن يسافر إلى مصر ليغني هناك، وبالفعل سافرت بعدما ساعدني العمدة، وفي القطار قابلت عبدالحليم حافظ، وكان قادما إلى القاهرة ليدرس الموسيقى.
سامع وساكت ليه كتبت البدايةبدأ محمد رشدى مشوار الغناء فى الموالد والأفراح بأغانى غيره من الفنانين، وكانت أولى أغنياته" سامع وساكت ليه" عام 1951، ولهذه الأغنية قصة فقد التقط كلماتها من ورقة في سلة الزبالة الموجودة في مكتب الموسيقار محمد عبد الوهاب حين كان في زيارة للقائه، أخذها وقام بتلحينها، إلى أن جاءته الفرصة ليغنيها في حفل حضره مسئولين في الإذاعة منهم المذيع على فايق زغلول الذى أعجب بصوته وقدمه للإذاعة وغني أمام لجنة مكونة من أم كلثوم وعبد الوهاب والملحن محمد القصبجي والشاعر محمود إسماعيل إغنية" سامع وساكت ليه" فأجازوه كمطرب وملحن، إلى أن اختاره مدير الإذاعة حسن الشجاعي لتسجيل ملحمة أدهم الشرقاوي بصوته، وبعدها كان اللقاء مع أغنية" تحت الشجر يا وهيبة" التى كتبها الأبنودى ولحنها عبد العظيم عبد الحق وأكمل النجاح بأغنية" عدوية" التى لحنها بليغ حمدى الذى قال يوم تسجيلها" سنسجل فتحا لن ينساه المستمع المصرى بصوت رشدى.
أدهم الشرقاوى أول مواويل رشدي في الإذاعةدخل محمد رشدى فى منافسة مع عبد الحليم حافظ حيث انقسم مجال الغناء فى فترة الخمسينات والستينات إلى فريقين الأول عبد الحليم حافظ وصلاح جاهين وشادية والموجي والطويل، وفريق محمد رشدى والأبنودي وبليغ حمدي ورجاء النقاش ومحمد حمزة، ونتيجة نجاح فريق رشدى اتجه عبد الحليم حافظ إلى الغناء الشعبي، ويحكى محمد رشدى عن ذلك، قائلا: " بعد نجاح أدهم الشرقاوي قام عبد الحليم حافظ بغنائها بصوته في فيلم سينمائي فتعاطف معي الجمهور والصحفيين، حيث اعتبروا عبد الحليم ينافسني ومن هنا صرحت في الصحف وقتها أن نجاح عبد الحليم حافظ هو نجاح لي وأنه أخذني معه إلى القمة في أسانسير، لكنه عاد واخذ مني أغنية" الهوى هوايا" بعد إجراء بروفاتها مع بليغ وصلاح عرام حيث أعجبته كلماتها التى كتبها عبد الرحمن الأبنودى إلى زوجته نهال، وطلب مني بليغ التنازل عنها لأن عبد الحليم يريد تقديمها فى فيلمه" أبي فوق الشجرة" ثم عاد وقدمها فى حفل عام 1970".
من اغانى محمد رشدى الشعبية الشهيرة" قولوا لمأذون البلد، عدوية، تحت الشجر يا وهيبة، وكعب غزال، ويا ليلة ما جانى الغالى، عرباوي، عدوية، نواعم، وهيبة، نجاة، هنادي، ميتى أشوفك، على الرملة، طاير ياهوا وسجل أيضا للإذاعة ملحمة أدهم الشرقاوي، وكان ألبوم" دامت لمين" آخر أعماله الفنية.
حول تفضيله الغناء الشعبى عن الأغنيات العاطفية قال رشدى: حين بدأت الغناء في بداية الخمسينات كانت الرومانسية مسيطرة على البلاد، وكان عبد الحليم حافظ مشهورا بأغانيه العاطفية فقدمت أغاني عاطفية مثل" يا محيرين النوم"، و" يا ناس حبيبي فين" و" على الجبين مكتوب" حتى أواكب السوق لكن لم يلتفت لي أحد، في حين أنه عندما غنى عبد الحليم حافظ أغاني عاطفية في الفترة نفسها، التف حوله الجمهور وصدقه ولم يصدقني، وذلك لأنني لم أكن أغني في منطقتي، فكان الاتجاه إلى الأغنية الشعبية مع عبد الرحمن الأبنودي وبليغ حمدي، وكانت أغنية أدهم الشرقاوى بداية شهرتي الفنية كمطرب شعبى.
عند بداية شهرته في الغناء الشعبى أطلق عليه الكاتب الساخر محمود السعدنى لقب" مطرب الخدامين"، ويقول محمد رشدى عن أسباب إطلاق هذا اللقب عليه: هذا راجع إلى أنني غنيت لطبقة لم يكن أحد يجرؤ أن يغني لها من قبل، فغنيت عدوية، وحسن المغنواتي وهذا بسبب تغير الظروف الاجتماعية في مصر عام 1961، وظهور قوانين الاشتراكية، ومكاسب العمال والفلاحين، فكان لا بد من ظهور شاعر وملحن ومغنٍ ليعبروا عن كل هذا، وهذا ليس في الغناء فقط، ولكن في معظم مجالات الحياة الأخرى.
فى أيامه الأخيرة ابتلى الفنان محمد رشدى فى اثنين من أبنائه بعدما تم سجنهما بسبب شيكات بدون رصيد بسبب مشروعات فاشلة، لكنه رحل بعد الحكم عليهما بأسبوع حزنا عليهما.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك