وبينما أنظر إلى قائدي السيارات والميكروباصات وحتى الدراجات النارية" متوسلًا" إليهم بأن يبطئوا قليلًا حتى أتمكن من العبور إلى الجانب الآخر بأمان، أشاهد نظرات الرعب في عيون مارة آخرين يحاولون العبور أيضًا، وهم يرتعدون خوفًا من تلك" الوحوش" الميكانيكية الصغيرة والكبيرة التي تكاد تهجم عليهم من فرط سرعتها وعشوائية اتجاهها، سواء الصغيرة أو الكبيرة منها على حد سواء، كأن هذه المركبات تحاول اقتناص أولئك المارة قبل الطريق، دون أن يردعها أي شيء.
والحقيقة أن التوسع الأخير لشارع جامعة الدول العربية يُعد بمثابة انتصار للهندسة الحضرية؛ إذ نجح في تحقيق سيولة مرورية وانفراجة من الاختناقات التي خنقت شرايين منطقة المهندسين لعقود، وتم تنفيذ ذلك بجودة ملحوظة، سمحت لقادة السيارات بأن يستمتعوا بالأسفلت الأملس، والحارات الواسعة، والأفق الممتد الذي يُغري قائدي المركبات بالانطلاق.
لكن بالنسبة للمشاة، تحول هذا" التطوير" لهذا الدوران الحيوي إلى" ملف" محفوف بالمخاطر، إذ يسمح للمركبات بالانطلاق بسرعات جنونية.
فحينما تنعطف السيارات حول منحنى ميدان سفنكس، فهي لا تمارس مجرد الدوران، بل تنطلق في سباق مفتوح، إذ لا توجد إشارات ضوئية تكسر هذا الاندفاع، ولا مطبات صناعية تُذكّر السائقين بأنهم في منطقة سكنية وتجارية مزدحمة، والأهم من ذلك أنه لا يوجد ممر للمشاة على الأرض، ولا حتى كوبري مشاة علوي يسمح لهم بالعبور الآمن إلى الجانب الآخر من الطريق.
هذا الأمر أدهشني جدًا على مدار عام كامل، إذ كيف يُعقل ألا ينتبه المسؤولون عن تنسيق تلك المنطقة إلى أنها عبارة عن مركز يضج بالمراكز الطبية والبنوك والشركات، بل ونادي الزمالك العريق أيضًا؟ فكيف إذًا لا يتم إنشاء كوبري واحد للمشاة؟ ! أو حتى وضع لافتات تنبه المركبات إلى ضرورة الإبطاء؟ ! أو ربما حتى التوقف في حالة وجود مارة يعبرون الطريق؟ ناهيك عن عدم وجود مكان محدد لعبور المشاة!والحقيقة أيضًا أن إنشاء كوبري مشاة في ميدان سفنكس ليس رفاهية أو خيارًا تجميليًا، بل هو ضرورة قصوى للحفاظ على أرواح العامة، بل وربما قادة المركبات على حد سواء؛ إذ إنه حين يحدث حادث تصادم، تكون الخسائر عادة كبيرة، وغالبًا ما يتضرر سائق المركبة أيضًا بنفس القدر الذي قد يتضرر به المارة، وربما يفقد حياته أيضًا على إثر الاصطدام.
وكثيرًا ما فكرت شخصيًا أن مراقبة حركة المرور من على حافة الرصيف هي بمثابة درس بليغ في دراسة أعماق شخصية المواطن؛ إذ يبدو، من وجهة نظر السائق المحتمي بمركبة من الصلب والزجاج، أن الشخص الذي يحاول عبور الشارع مجرد" عائق بشري" ينبغي تجاوزه دون الحاجة إلى الضغط على المكابح، وأن السائق لديه الحق في أن يزيد من سرعته" ليسبق" الشخص الذي احتل مساره المخصص للسيارة ووضع قدمه على الطريق، وبالتالي فليس من حقه أن يلتفت إليه هذا السائق.
بينما عابر الطريق المسكين يشاهد وحوشًا من الصلب تنقض عليه من كل اتجاه بلا رحمة، فيحاول جاهدًا النجاة والفكاك منها.
وأخيرًا، فإنه من المهم أن يدرك المسؤولون أن توفير وسائل الأمان لعبور المشاة هو ما سيسمح للمارة، ومنهم المريض الذي قد لا يمتلك من القوة ما يسمح له بالمناورة والعبور إلى الجانب الآخر من الطريق بأمان، دون أن يشعر وكأنه يمارس لعبة" الروليت الروسية" مخاطِرًا بحياته.
وأن ذلك سوف يحمي سائقي المركبات أيضًا، وسيسهم بلا شك في حماية أرواح المواطنين وخفض نسبة حوادث المرور، وهي مسألة ينبغي أن تكون هدفًا أمام من يقومون بتصميم الطرق في مصر، قبل أن يفكروا في جماليات وانسيابية الطرق أيضًا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك