في اللحظات التي تُختبر فيها الأوطان، لا يكون السؤال: ماذا نقول عنها؟ بل: أين نقف منها؟ فالمواطنة الحقيقية لا تُقاس بحجم الشعارات، بل بوضوح الموقف.
ومن هنا، فإن أخطر ما يمكن أن يواجه أي مجتمع ليس الاختلاف، بل تعدد الولاءات؛ لأن الاختلاف يمكن إدارته، أما ازدواج الانتماء فيُربك البوصلة ويُضعف الثقة.
وقد جاءت توجيهات جلالة الملك المعظم حمد بن عيسى آل خليفة، قائد القوات المسلحة حفظه الله ورعاه، لتضع هذا المعنى في أوضح صوره، حين أكد جلالته أن ما تعرضت له مملكة البحرين من عدوان آثم استهدف أمنها واستقرارها، لم يكشف فقط حجم التحدي، بل كشف أيضًا زيف من باعوا ضمائرهم، وأسقط الأقنعة عن أولئك الذين اختاروا الاصطفاف في غير موقع الوطن.
فحين تكون القوات المسلحة مرابطة على الثغور، ساهرة على حماية البلاد، لا يبقى هناك مجال للرمادية، ولا مساحة لتعدد المواقف.
وهنا يتجلى المعنى الحقيقي للمواطنة: أن تكون مع وطنك دون تردد، وأن تدرك أن الانتماء لا يقبل القسمة، وأن الولاء لا يحتمل الشراكة.
وقد عبّر جلالته بوضوح حين أكد أن الوطن فوق الجميع، وأن البحرين أمانة في أعناق أبنائها، وأن الجنسية ليست ورقة تُمنح، بل عهد وميثاق، ومن نقض هذا العهد فقد أسقط حقه بيده.
وهذه ليست مجرد عبارة، بل تعريف دقيق لمعنى المواطنة في بعدها الأصيل.
وفي سياق التأكيد على وضوح الانتماء، جاءت إشارات جلالة الملك المعظم حفظه الله، لتضع حدودًا لا تقبل الالتباس، حين شدد على أن المسؤولية الوطنية لا تتجزأ، وأن من اختار الاصطفاف في غير موقع الوطن، لا يمكن أن يستمر في موقع يمثل فيه الشعب أو يعبر عن إرادته، مؤكدًا أن الثقة أمانة، وأن التمثيل تشريف لا يستقيم مع أي موقف يتعارض مع مصلحة الوطن أو يقف على مسافة منه في لحظات الاختبار.
الوطن لا يقبل شركاء في الولاء، لأن الانتماء بطبيعته لا يُقسم.
لا يمكن أن يكون الإنسان مع وطنه حين تتوافق المصالح، وضده حين تتعارض، ولا يمكن أن يحمل صفة المواطنة دون أن يحمل التزامها.
فالمواطنة ليست بطاقة تُمنح، بل عقدٌ يقوم على مسؤولية واضحة: حماية الوطن، وصون استقراره، والاصطفاف معه في القضايا المصيرية.
ولعل الخطأ الأكبر في بعض الطروحات هو محاولة ربط الولاء بالمعيشة، وكأن الانتماء يُقاس بما يحصل عليه الفرد من خدمات أو مستوى حياة.
وهذا فهم قاصر؛ لأن الولاء لا يُبنى على المقابل، بل على القناعة.
فالوطن ليس جهة خدمية فحسب، بل كيان يحفظ الهوية، ويوفر الأمن، ويمنح الإنسان معنى الاستقرار والانتماء.
ومن هذا المنطلق، فإن الإجراءات القانونية التي تُتخذ بحق من يثبت إخلاله الجسيم بواجباته تجاه الوطن، لا تُفهم بوصفها رد فعل، بل كجزء من حماية الكيان الوطني، وصون المجتمع من أي خلل في ميزان الانتماء.
فالدولة التي تحمي استقرارها، إنما تحمي شعبها، وتدافع عن حق الأغلبية في الأمن والطمأنينة.
وفي البحرين، حيث يتجذر الوعي الوطني وتترسخ قيم التماسك، لم يكن الاصطفاف الشعبي خلف هذه المواقف مستغربًا، بل انعكاسًا لوعي جمعي يدرك أن الخيانة ليست رأيًا، وأن التعدد في الولاء ليس اختلافًا، بل خللًا يهدد المجتمع بأكمله.
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل الرمادية، ولا تقبل التردد.
فالانتماء إما أن يكون واضحًا، أو يفقد معناه.
والولاء إما أن يكون كاملاً، أو يتحول إلى ادعاء.
ومن هنا، فإن تعدد الانتماء لا يضعف الفرد فقط، بل يُضعف المجتمع بأكمله، لأنه يخلق فجوة بين الصفة والموقف.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأوضح:الولاء لا يُجزأ… ومن يقسمه، يفقد معنى المواطنة قبل أن يفقد صفتها.
هذا الموضوع من مدونات القراء ترحب" البلاد" بمساهماتكم البناءة، بما في ذلك المقالات والتقارير وغيرها من المواد الصحفية للمشاركة تواصل معنا على: [email protected].

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك