تخيل أن قطاعاً كبيراً من المصريين يصدقون أن صاحب مزرعة الفراخ يحقن الفرخة بألف جنيه هرمونات ليبيعها بمائتى جنيه! ! بل ويروج الخرافة، ويقدس قائلها، ويسجد لصنمه كل صباح، ويلقى إليه بالقرابين كل يوم! ! ليست الفراخ هى المحقونة هرمونات، لكنها العقول هى المحقونة خرافات! !فى مصر، لا تحتاج نظرية المؤامرة إلى دليل، يكفى أن تخترع صورة، وتبدو خرافتك «مقنعة بصرياً»، لتكسب عقول الناس، دجاجة لحمها غنى، وصدرها كبير؟ إذن وبكل ثقة، تصرخ الحقوا، محقونة هرمونات، نفس الشخص هو الذى يقول: أنا بقيت كويس، بعد وصفة بردقوش أو طيبات؟ويستنتج أن الطب الحديث أكذوبة ومؤامرة ماسونية! ! هكذا يُختصر العلم فى فوتوشوب، ويُستبدل البرهان بانطباع، نفس الآلية النفسية، ونفس طريقة البيزنس، فى العلاج بالطيبات والطب البديل، وفكرة منع الناس من أكل الفراخ لأن فيها هرمونات، نأتى لتفنيد خرافة الفراخ المحقونة، تلك الخرافة المنتشرة كالسرطان، خرافة الفراخ ليست قصة دواجن.
بل نموذج مصغّر لعقلية ترفض المنهج العلمى.
الناس ترى نتيجة (نمو سريع)، لا تفهم سببه العلمى، فتخترع تفسيراً بسيطاً ومثيراً إنها الهرمونات الشريرة، نفس الميكانزم النفسى هو الذى يفسر الإيمان بأن السرطان يتغذى على السكر فقط، أو أن «العلاج الكيماوى مؤامرة، أو أن الدجال شفى مريضاً فإذن هو صادق، إنها نسخة يومية من انحياز معرفى شهير كتبت عنه فى مقال سابق اسمه، Dunning-Kruger Effect، حيث يثق الجاهل فى تفسيره، باختصار الفراخ البيضاء ليست معجزة، ولا مؤامرة، هى ببساطة نتيجة انتخاب صناعى باختيار أسرع الطيور نمواً عبر أجيال، مع تغذية دقيقة علف محسوب بالجرام، مع إدارة بيئية، حرارة وإضاءة تقلل استهلاك الطاقة.
إنها تطبيق مباشر لمبدأ Natural Selection، لكن بدلاً من اختيار الطبيعة، الإنسان هو الذى يختار، أما الهرمونات المزعومة، فهى مكلفة اقتصادياً، وغير فعّالة عملياً، وممنوعة قانونياً، وغير ضرورية أصلاً، لكن لماذا انتشرت خرافة الفراخ المحقونة هرمونات، إنها نتاج كوكتيل، عدة عوامل، الصدمة البصرية، شكل الفراخ الحديثة غير مألوف، يخلق شعوراً بأن هناك حاجة غلط، السوشيال ميديا التى هى معلومة بسيطة ولغة حادة، تعطى انتشاراً أسرع من أى بحث علمى، عندها يهبط تجار الوهم بالبراشوت، يقولون «مش هتاكل فراخ بهرمونات؟ تعالى عندنا نعطيك البديل الطبيعى! »، هو نفس المنطق الذى يبيع الأعشاب التى تعالج كل الأمراض من الإسهال حتى السرطان، الوهم لا يولد من الجهل فقط، بل من راحة التفسير السهل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك