استعرض المرشحون الأربعة للمنصب رؤاهم لمستقبل الأمم المتحدة، وأجابوا على أسئلة الدول الأعضاء وممثلي المجتمع المدني حول خبراتهم مؤهلاتهم، وعملية إصلاح الأمم المتحدة، والأركان الثلاثة التي تقوم عليها.
الأمم المتحدة ـ «القدس العربي»: افتتحت رئيسة الجمعية العامة، أنالينا بيربوك، أولى جلسات الاستماع للمرشحين الأربعة (لغاية الآن) إلى منصب الأمين العام العاشر والذي تبدأ دورته في الأول من كانون الثاني/يناير 2027 لمدة خمس سنوات.
وشارك المرشحون الأربعة للمنصب في جلسات استماع يومي 22-23 نيسان/أبريل الماضي، لمدة ثلاث ساعات متواصلة لكل مرشح حيث تم استعراض رؤاهم لمستقبل الأمم المتحدة، وأجابوا على أسئلة الدول الأعضاء وممثلي المجتمع المدني حول خبراتهم القيادية ومؤهلاتهم، وعملية إصلاح الأمم المتحدة، والأركان الثلاثة التي تقوم عليها المنظمة، وهي: السلام والأمن والتنمية وحقوق الإنسان.
والمرشحون الأربعة: ميشيل باشيليت (تشيلي( ورافائيل غروسي (الأرجنتين( وريبيكا غرينسبان (كوستاريكا( وماكي سال (السنغال(.
وقالت أنالينا بيربوك، رئيسة الجمعية العامة في افتتاح جلسة الحوار: «إن اختيار الأمين العام تترتب عليه عواقب واسعة النطاق يتردد صداها إلى ما هو أبعد بكثير من جدران هذا المبنى.
إن خيارنا سيحدد مسار المنظمة الدولية الفريدة من نوعها القائمة على التعددية، وسيثبت ما إذا كانت الأمم المتحدة تمثل حقا أكثر من 8 مليارات نسمة نخدمهم حول العالم، والذين يشكل النساء والفتيات نصف عددهم».
وسنتعرض في هذا المقال لأهم ما جاء في مداخلات ورؤى المتقدمين التي نوقشوا فيها مع الدول الأعضاء وممثلين عن المجتمع المدني:ميشيل باشيليت: تجديد التعدديةقدّمت باشيليت نفسها باعتبارها «بانية جسور» و«مديرة أزمات»، مستندةً إلى خبرتها المزدوجة في الحكم الوطني، كرئيسة سابقة لبلادها والقيادة الأممية كمفوضة سامية سابقة لمجلس حقوق الإنسان.
وارتكزت رؤيتها على إطار استراتيجي شامل أسمته «تجديد التعددية»، يقوم على أربعة محاور: التمسك بميثاق الأمم المتحدة مرجعيةً ثابتة، ومعالجة الأزمة المالية عبر الانتقال نحو «الاستثمار العام العالمي»، وإعادة ربط المنظمة بالمجتمعات لا بالحكومات فحسب، والتهيّؤ للتحديات الناشئة كالذكاء الاصطناعي والمخاطر البيولوجية.
وطُرحت على باشيليت مجموعة من القضايا المؤسسية والسياسية الحساسة، أبرزها إصلاح مجلس الأمن واستخدام حق النقض «الفيتو»، حيث أكدت ضرورة تعزيز دور الجمعية العامة في متابعة استخدام الفيتو، بما يحد من شلل مجلس الأمن في القضايا الكبرى.
كما دعت إلى تعزيز دور الأعضاء المنتخبين داخل المجلس في عمليات صنع القرار، باعتبار ذلك خطوة نحو إعادة التوازن داخل هيكل الحوكمة الدولي.
وفي ما يتعلق بتمويل أهداف التنمية المستدامة والفجوة المالية العالمية، قدمت مقاربة تقنية تدعو إلى تجاوز الاعتماد الحصري على مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي، واقترحت أن تقود الأمم المتحدة نقاشاً لإصلاح النظام المالي الدولي بما يمنح الدول النامية مساحة مالية أكبر لمواجهة الصدمات الاقتصادية والمناخية.
كما واجهت أسئلة تتعلق بما يُوصف بـ«ازدواجية المعايير» في تطبيق القانون الدولي، حيث شددت على أن مبدأ المساءلة يجب أن يكون شاملاً وغير انتقائي، وأن دور الأمين العام يجب أن يتمثل في الحفاظ على «البوصلة الأخلاقية» للأمم المتحدة عبر التحدث بوضوح تجاه جميع الأطراف بدون استثناء.
رافائيل غروسي: القيادة التنفيذية الميدانيةقدّم الأرجنتيني غروسي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، مقاربةً تشغيليةً تركز على طابع «تنفيذي وميداني» لمنصب الأمين العام، مستنداً إلى تجربته في إدارة ملفات نووية حساسة في بيئات عالية التوتر كأوكرانيا وإيران.
ودعا إلى تقليل التعقيدات البيروقراطية ومنح المكاتب الميدانية قدرة أكبر على الاستجابة السريعة في مناطق الأزمات.
وخلال جلسة الأسئلة والأجوبة، طُرح على غروسي سؤال من ممثل دولة فلسطين، تناول وضع موظفي الأمم المتحدة العاملين في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصاً في سياق العمليات الإنسانية في غزة والضفة الغربية، وما يواجهونه من أخطار ميدانية وبيئات عمل متوترة.
وفي رده، أوضح غروسي أن هذا السؤال يندرج ضمن القضايا الأساسية التي يجب على أي أمين عام التعامل معها، مشيراً إلى أن حماية موظفي الأمم المتحدة تمثل عنصراً محورياً في قدرة المنظمة على تنفيذ ولاياتها.
واستند في إجابته إلى تجربته الحالية كرئيس للوكالة الدولية للطاقة الذرية، حيث أشار إلى أن إدارة عمليات دولية في بيئات عالية الحساسية تتطلب وجود قيادة «حاضرة ميدانياً» وقادرة على التفاعل المباشر مع المخاطر، بما يضمن سلامة الموظفين واستمرارية العمل المؤسسي.
وأضاف أن أي اعتداء أو تهديد يطال موظفي الأمم المتحدة يستدعي استجابة فورية من أعلى مستوى في المنظمة، معتبراً أن الأمين العام يجب أن يستخدم أدواته المؤسسية والدبلوماسية لضمان حماية العاملين ومساءلة الأطراف المعنية عند وقوع انتهاكات.
وشدد أيضاً على أن حماية الموظفين ترتبط بالالتزام الصارم بمعايير الحياد المهني داخل منظومة الأمم المتحدة، مؤكداً أن الالتزام بهذه المعايير يعزز قدرة المنظمة على الدفاع عن موظفيها في مختلف السياقات.
بنت ريبيكا غرينسبان، الكوستاريكية، مداخلتها حول فكرة تحويل الأمم المتحدة إلى «بنية تحتية للسلام»، تعمل على منع الأزمات قبل وقوعها لا على إدارتها بعد تفاقمها.
ودعت إلى إعادة هيكلة مكتب الأمين العام، بحيث يتحول من نموذج بيروقراطي هرمي إلى فرق عمل صغيرة متعددة التخصصات قادرة على التدخل السريع في بؤر التوتر.
وفي ملف القانون الدولي، شددت على أن أزمة النظام متعدد الأطراف لا تكمن في غياب القواعد، بل في عدم تطبيقها بالتساوي، في إشارة واضحة إلى ظاهرة «المعايير المزدوجة»، مؤكدةً أن استعادة الثقة بالأمم المتحدة تمر عبر التزام غير انتقائي بمبادئ القانون الدولي.
كما انتقدت العقوبات التي تنعكس على المدنيين، رابطةً بين العدالة الاقتصادية والاستقرار السياسي.
وفي البُعد التنموي، دعت إلى تجاوز مؤشرات الناتج المحلي الإجمالي وتعزيز «الاقتصاد الأزرق» بوصفه مساراً يجمع بين التنمية والاستدامة.
خلال تفاعلها مع الأسئلة، ثم في تصريحاتها الإعلامية اللاحقة، قدمت غرينسبان ملامح نهج شخصي في القيادة يمكن وصفه بـ«الواقعية البنّاءة».
فهي لا تنكر تعقيد العلاقات بين القوى الكبرى، لكنها ترى أن الانتظار حتى توافر ظروف مثالية للتوافق ليس خياراً عملياً.
بدلاً من ذلك، دعت إلى العمل ضمن المساحات المتاحة، مهما كانت محدودة، والبناء عليها تدريجياً.
وفي سياق حديثها عن السلام، قدّمت تعريفاً يتجاوز البعد الأمني التقليدي، معتبرة أن السلام الحقيقي يرتبط بتوفير الفرص والكرامة، خاصة للفئات الأكثر هشاشة.
هذا الطرح يعكس محاولة لإعادة صياغة مفهوم السلام ليشمل الأبعاد الاجتماعية والاقتصادية، وليس فقط غياب النزاع المسلح.
كما أولت أهمية خاصة لمسألة نزاهة المؤسسات، مشيرة إلى قرارها الابتعاد عن مهامها التنفيذية خلال فترة الترشح، في خطوة هدفت إلى تجنب أي تضارب محتمل في المصالح.
هذا الجانب، وإن بدا إجرائياً، حمل دلالة سياسية تتعلق بكيفية إدارة العلاقة بين الطموح الشخصي والمسؤولية المؤسسية داخل منظومة الأمم المتحدة.
في المجمل، عكست مداخلة غرينسبان توجهاً يسعى إلى الجمع بين الإصلاح المؤسسي والدور الدبلوماسي النشط، ضمن رؤية تعتبر أن مستقبل الأمم المتحدة يعتمد على قدرتها على التكيف مع واقع دولي متغير، بدون التخلي عن المبادئ التي قامت عليها.
وبينما لا تزال هذه الرؤية قيد الاختبار في سياق التنافس بين المرشحين، فإنها تطرح تصوراً واضحاً لدور الأمين العام كفاعل يسعى ليس فقط إلى إدارة الأزمات، بل إلى إعادة تشكيل الأدوات التي تُستخدم للتعامل معها.
ماكي سال: الوسيط بين الشمال والجنوب.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك