في الحروب، لا يصل التضليل متأخرًا.
أحيانًا يسبق الخبر الحقيقي، ويملأ الفراغ قبل أن يتمكن الصحفي من التحقق.
مقطع قديم يُنشر على أنه جديد.
صورة من حرب أخرى تُنسب إلى قصف وقع قبل دقائق.
تسجيل مجتزأ، تصريح مفبرك، حساب مجهول، أو خريطة تنتشر بسرعة تجعل الناس يصدقونها قبل أن يسألوا من رسمها.
لهذا لم تعد مهمة الصحفي في زمن الحرب نقل الوقائع فقط.
صار عليه أن يواجه حربًا ثانية: حربًا على المعنى.
فكل حدث ميداني يصبح محاطًا بروايات متضاربة، بعضها يصدر عن أطراف النزاع، وبعضها عن حسابات مؤيدة، وبعضها عن مستخدمين لا يعرفون أنهم يعيدون نشر التضليل.
في هذا المناخ، يصبح الصحفي عالقًا بين خطرين: خطر الوصول إلى المعلومة، وخطر فيضان المعلومات غير الموثوقة.
وقد حذّرت منظمة" مراسلون بلا حدود" في مؤشرها لعام 2026 من أن حرية الصحافة تراجعت إلى أدنى مستوى منذ 25 عامًا، مع وقوع أكثر من نصف الدول والمناطق المصنفة في خانتَي" صعب" أو" خطير جدًا" على مستوى حرية الصحافة.
وتعمل غرف الأخبار اليوم في سباق قاسٍ.
الجمهور يريد معرفة ما يحدث فورًا.
المنصات تكافئ السرعة.
والحدث، خصوصًا في الحرب، يتحرك بسرعة أكبر من قدرة المؤسسات على التحقق أحيانًا.
لكن السرعة قد تكون عدوة الحقيقة حين تنفصل عن قواعد التثبت.
وفي الماضي، كانت الصورة تصل عبر مصور معروف أو وكالة أو مراسل في الميدان.
اليوم، قد تبدأ القصة من هاتف شخص مجهول، أو بث مباشر، أو حساب جديد، أو قناة على تطبيق مراسلة.
وهذا ليس سيئًا دائمًا، فقد فتحت الهواتف والمنصات بابًا مهمًا لتوثيق ما كان يمكن أن يبقى مخفيًا.
غير أن الباب نفسه سمح بعبور كمية هائلة من المحتوى المضلل.
وهنا تتغير وظيفة الصحفي.
لم يعد فقط" من يأتي بالخبر"، إنما صار أيضًا من يفرز الخبر من الضجيج، ويفصل المشهد الحقيقي عن المركّب، ويشرح للجمهور ما نعرفه وما لا نعرفه بعد.
أمثلة صغيرة على مشكلة كبيرةولا يحتاج التضليل في الحرب إلى اختراع كامل دائمًا.
أحيانًا يكفي أن تُسحب صورة صحيحة من سياقها، أو يُعاد نشر فيديو قديم مع عنوان جديد.
في أكتوبر/ تشرين الأول 2024، مثلًا، انتشرت صورة لغارات زُعم أنها تستهدف مبنى قناة المنار في بيروت، قبل أن يبيّن تحقق لوكالة" رويترز" أن الصورة تعود إلى غارات إسرائيلية على غزة في أكتوبر 2023.
وفي حالة أخرى، تداول مستخدمون صورة انفجارات باعتبارها لغارات إسرائيلية على لبنان في أكتوبر 2024، لكن التحقق أظهر أنها تعود لغارات إسرائيلية على غزة عام 2019.
هنا لا تكون الصورة مزيفة، إنما يكون السياق هو المزيّف.
كما أعيد تداول صورة امرأة تنشر ملابس على دبابة مدمرة مع وصف مضلل بأنها من غزة خلال 2024، بينما أظهر التحقق أن الصورة قديمة، وتعود إلى جنوب لبنان عام 2000 بعد الانسحاب الإسرائيلي.
في هذه الحالة، انتقلت الصورة من بلد إلى آخر ومن زمن إلى آخر، واحتفظت بقوتها العاطفية مع فقدان معناها الحقيقي.
وهذه النماذج تكشف أن التضليل لا يقوم دائمًا على تركيب متقن أو ذكاء اصطناعي.
أحيانًا تكفي صورة حقيقية وسطر خاطئ لتغيير المعنى كله.
التضليل عندما يصبح سلاحًاوفي الحرب، لا يكون التضليل خطأ فرديًا دائمًا.
أحيانًا يكون جزءًا من استراتيجية.
فالروايات المضللة قد تهدف إلى رفع معنويات طرف، أو شيطنة طرف آخر، أو تبرير قصف، أو إرباك السكان، أو التشكيك في الضحايا، أو خلق رواية بديلة تمنع أي اتفاق على الحقيقة.
وهذا النوع من التضليل خطير لأنه لا يطلب من الجمهور تصديق رواية واحدة فقط.
في أحيان كثيرة، يسعى إلى نتيجة أعمق: أن يقتنع الناس بأن الحقيقة مستحيلة.
وعندما يصل الجمهور إلى هذه النقطة، يصبح كل شيء قابلًا للتشكيك، حتى الوقائع الموثقة.
هنا لا يعود التضليل مجرد" خبر كاذب".
يصبح أداة لإضعاف الثقة، وتدمير القدرة على الحكم، وإرهاق الجمهور حتى لا يعود قادرًا على التمييز بين الشهادة والتحريض، وبين الدليل والصوت العالي.
" مسبار".
حين يصبح التحقق جزءًا من العمل الصحفيوفي مواجهة هذا الفيض، لم تعد المؤسسات الإعلامية قادرة على الاكتفاء بالنشر والتصحيح اللاحق.
صار التحقق نفسه جزءًا من العمل الصحفي اليومي.
ومن هنا تبرز تجربة" مسبار" موقعًا وبرنامجًا، وقبله" بوليغراف"، وبينهما خانة" أخبار كاذبة" على موقع التلفزيون العربي، بوصفها نموذجًا عمليًا لملاحقة الأخبار الكاذبة والشائعات المتداولة على المنصات.
وتعتمد هذه النماذج على رصد الادعاءات المنتشرة، ثم فحصها عبر أدوات التحقق ومقارنة المصادر والسياقات، قبل نشر نتيجة واضحة للقارئ.
وتعرّف الخانة الأخبار الكاذبة باعتبارها أخبارًا تجد طريقها عبر وسائل الإعلام التقليدية ومنصات التواصل، وقد تقع فيها حتى وسائل إعلام رئيسية، ما يجعل وضعها تحت مجهر التدقيق أولوية مهنية.
وتظهر أهمية هذه التجربة في أمثلة يومية لا تتعلق بالحروب وحدها.
فقد تحقق فريق" مسبار" من مقطع زعم ناشروه أنه يُظهر آلة تابعة لـ" ناسا" لصنع السحب والتحكم بالطقس، ليتبين أن المقطع يتعلق ببيانات أقمار صناعية لرصد السحب، لا بآلة تتحكم بالطقس.
كما كشف" مسبار" في مادة أخرى أن فيديو زُعم أنه يوثق نشر إيران طائرات عسكرية قرب حدودها كان مضللًا.
هذه الأمثلة تبدو بعيدة عن الجبهات، لكنها تشرح الآلية نفسها: ادعاء مثير، فيديو قابل للانتشار، جمهور يبحث عن تفسير سريع، ثم تدخل التحقق لإعادة المقطع إلى سياقه.
ويستخدم الصحفيون اليوم أدوات لم تكن جزءًا من العمل التقليدي قبل سنوات: البحث العكسي عن الصور، تحليل الظلال والطقس، مقارنة المعالم الجغرافية، التحقق من تاريخ نشر الفيديو، مطابقة الأصوات، مراجعة بيانات الأقمار الصناعية، والتواصل مع شهود مستقلين.
لكن الأدوات لا تكفي وحدها.
فالمهارة الأساسية تبقى الشك المهني، ألا يتعامل الصحفي مع الانتشار كدليل، ولا مع العاطفة كبرهان.
وكلما كان المحتوى مؤثرًا ومثيرًا، احتاج إلى تحقق أكبر، لأن التضليل في الحروب يستخدم المشاعر قبل أن يستخدم الأدلة.
يمكن تلخيص خطوات التحقق الأساسية في خمسة أسئلة:هذه الأسئلة لا تجعل الصحفي بطيئًا.
تجعل سرعته أكثر مسؤولية.
الصحفي بين المنصة والجمهوروتزيد المنصات الرقمية من صعوبة المهمة.
فخوارزميات التفاعل لا تكافئ دائمًا الأكثر دقة، إنما الأكثر إثارة.
والمحتوى الغاضب أو الصادم أو الساخر قد ينتشر أكثر من التصحيح الهادئ.
لذلك يجد الصحفي نفسه في وضع غير متكافئ: يحتاج إلى وقت للتحقق، بينما ينتشر التضليل في دقائق.
وتؤكد اليونسكو في إرشاداتها لحوكمة المنصات الرقمية أن التعامل مع التضليل وخطاب الكراهية ونظريات المؤامرة يجب أن يتم مع حماية حرية التعبير والحق في الوصول إلى المعلومات، عبر مقاربة متعددة الأطراف لا تترك القرار للحكومات أو للشركات وحدها.
هذا التوازن أساسي.
فمكافحة التضليل لا يجب أن تتحول إلى ذريعة للرقابة أو إسكات الصحافة المستقلة.
والمطلوب ليس أن تملك الدولة وحدها حق تحديد الحقيقة، إنما أن تُبنى بيئة تجعل المعلومات الموثوقة أكثر قدرة على الوصول، وتجعل المنصات أكثر شفافية في قراراتها.
وفي الحروب، يصبح" العاجل" نمطًا دائمًا، لا استثناءً.
لكن الخبر العاجل يحمل خطرًا خاصًا: قد يضغط على الصحفي كي يملأ الفراغ قبل أن تكتمل المعلومة.
وقد يدفع غرف الأخبار إلى نشر صياغات مائعة أو غير دقيقة، مثل" أنباء عن" و" مصادر تتحدث"، من دون أن يكون واضحًا للقارئ ما درجة الثقة في المعلومة.
الصحافة المسؤولة لا تستطيع تجاهل السرعة، لكنها تستطيع أن تديرها.
يمكنها أن تقول بوضوح: " لم يتسنَّ التحقق"، " المعلومة أولية"، " الفيديو قديم"، " الصورة من سياق آخر"، " الجهة التي نشرت المقطع طرف في النزاع".
هذه الجمل قد تبدو أقل إثارة، لكنها تحمي الثقة على المدى الطويل.
وفي زمن الحرب، لا تكون الحقيقة سهلة.
قد تكون ناقصة، متأخرة، متنازعًا عليها، أو محاصرة.
لكن هذا لا يجعلها مستحيلة.
دور الصحافة أن تقترب منها بقدر ما تستطيع، وأن تقول للجمهور: هنا ما ثبت، وهنا ما نتحقق منه، وهنا ما لا يمكن الجزم به بعد.
ومن هنا تأتي أهمية التجارب المتخصصة في التحقق، مثل" مسبار"، وأهمية وجود خانات واضحة مثل" أخبار كاذبة" داخل المواقع الإخبارية.
فهي لا تكتفي بتصحيح خطأ واحد، إنما تعلّم الجمهور كيف يفكر في الخبر قبل إعادة نشره.
حين تُحاصَر الحقيقة، يصبح الصحفي حارسًا للحد الأدنى من المعنى.
لا يملك دائمًا أن يوقف الحرب، لكنه يستطيع أن يمنع الكذب من أن يصبح الرواية الوحيدة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك