رام الله – «القدس العربي»: غالبًا ما يغطي الحديث عن ممارسات الاحتلال الإسرائيلي بحق الصحافة والصحافيين الفلسطينيين على وضع الصحافة المحلية وعلاقتها مع السلطة الفلسطينية.
فأمام علو كعب الممارسات الاحتلالية، التي وصلت حد «الإبادة الصحافية» في قطاع غزة، وممارسة أعلى درجات القمع والتهديد والقتل والاعتقال في الضفة الغربية والقدس، يقول خبراء تحدثت إليهم «القدس العربي» إن السلطة الفلسطينية تسهم في إعاقة عمل الصحافة، فيما يؤكد آخرون في المقابل أن الصحافي الفلسطيني لا يستفيد من المساحات المتوفرة ويمارس رقابة ذاتية.
ويقول الصحافي الاستقصائي في شبكة «وطن» الإعلامية، نزار حبش، في حديث مع «القدس العربي» إن الحديث عن حرية الصحافة في ظل السلطة الفلسطينية «ملف مركب»، حيث لا يمكن اختزاله بزاوية واحدة في تناول المشهد.
ويقر حبش بوجود مساحة عمل إعلامي قائمة ومؤسسات صحافية ناشطة، وكذلك صحافيين فاعلين، لكن هذه المساحة تواجه قيودًا حقيقية ومتكررة، وهو أمر يؤثر، للأسف، على جودة العمل الصحافي وقدرة الصحافيين على المساءلة، وتحديدًا في مجال الصحافة الاستقصائية.
ويضيف: «إذا رغبنا في تقييم وضع حرية الصحافة في ظل السلطة، يمكن القول إنها حرية محدودة وهشة.
ففي ظل وجود صحافيين قادرين على إنتاج محتوى نقدي في بعض الأحيان، إلا أنهم يعملون في بيئة تتضمن ضغوطًا سياسية وأمنية».
قانون «حق الحصول على المعلومات» الغائب الأكبرويتابع: «هناك نوع من الحساسية العالية تجاه نقد السلطة الفلسطينية، وتحديدًا الأجهزة الأمنية التي تتبع لها على سبيل المثال، وهناك غياب للضمانات الخاصة بالحماية القانونية والمهنية في ظل واقع قضائي مترهل وصعب».
وحول أبرز الملفات التي تغيب وتهمّش من الصحافة الفلسطينية، يشير حبش إلى غياب الحديث عن ملفات الفساد داخل المؤسسات الرسمية، فهي لا تحضر، وفي حال حضرت فإنها لا تحظى بتغطية صحافية معمقة وممنهجة.
وكذلك أداء الأجهزة الأمنية والانتهاكات المرتبطة بها.
و»كذلك قضية الشفافية المالية، وموضوع الموازنات والإنفاق العام، ورواتب الفئات العليا، والامتيازات التي يحظى بها البعض».
ويشدّد: «لم نلمس ادعاء الحكومة الفلسطينية الشفافية والإصلاح، رغم أنها تدعي الانفتاح على الجميع».
فـ«الحديث عن حرية الصحافة من دون الحديث عن قانون حق الحصول على المعلومات، الغائب، موضوع سخيف.
كيف تكون للصحافي حرية للذهاب وطلب الوثائق الرسمية والمعلومات الموثقة، فيما لا يوجد ما يدفع الجهات الرسمية إلى منح الصحافي هذه».
ويضرب حبش تجربته مثالًا، مشددًا على أنه أنجز تحقيقات تنتقد السلطة وتكشف مواضيع وجوانب فساد في ممارسات مؤسساتها المختلفة، من دون أن يُعتقل أو يُلاحق قانونيًا.
ويختم قائلًا: «ومع ذلك، تعرضت مرة للاعتداء من جهاز الشرطة أمام مجلس الوزراء، لكوني صورت مواطنًا من ذوي الاحتياجات الخاصة كان يهاجم الحكومة وينتقد سياساتها ويصفها بالفساد»».
وعلى النقيض من الصحافي الاستقصائي حبش، فإن الإعلامي عماد الأصفر يخالفه الرأي، حيث يقول: «لدي اعتقاد شخصي، يخالفني فيه كثير من الناس، يقول إن الصحافي الفلسطيني لم يستنفد سقف الحرية الممنوح له، نتيجة عدم قدرة هذا الصحافي على استغلال ما لديه من قدرات وما بين يديه من معلومات».
ويقول في حديث خاص لـ»القدس العربي»: «يمكن وصف الصحافي أنه لا يمتلك الجرأة، كما أنه غير قادر على تخطي الرقابة الذاتية التي يفرضها هو على نفسه، وليس الجهات الرسمية»».
ويضيف الأصفر، الذي يعمل في مركز تطوير الإعلام في جامعة «بيرزيت»: «إذا كانت هناك معايير يجب على الصحافي الالتزام بها ويقيس عليها وجود حرية صحافة في فلسطين، فمن الواجب علينا أن ننظر إلى عدد المعتقلين من الصحافيين الفلسطينيين في سجون السلطة، ويجب أن ننظر أيضًا إلى حجم ما يقال ونوعية ما يقال ويكتب في الصحف الفلسطينية والمواقع ووسائل الإعلام المختلفة وعلى منصات التواصل، ومن ثم يمكن الحديث عن حرية الصحافة».
ويتابع: «أرى أن هذه الحرية متحققة، لكنها غير منضبطة وغير هادفة ولا تصنع أثرًا يمكن الاعتداد به».
ويتساءل: «ما الذي يمنع الصحافي من العمل على إنجاز تحقيقات صحافية؟ سيقولون إن هناك كلفة مالية وما شابه، لكن هذا ليس عائقًا مقبولًا أمام صحافي يرى أن مهنته مهنة المتاعب.
وسيقولون أيضًا إن الصحافي الفلسطيني لا يملك معلومات، وأنا أرى أن الصحافي الفلسطيني لديه معلومات.
فغياب المعلومات بحد ذاته يمكن أن يكون مؤشرًا على سوء نية، بدليل إمكانية معالجة غياب هذا المعطى من خلال طرق كثيرة.
ويمكن أن يعكس ذلك مؤشرًا قويًا على وجود فساد وخلل ما يجب متابعته».
ويخلص الأصفر إلى أنه يمكن النظر إلى الصحافي الفلسطيني بصفته من يستسهل إنتاج المواد الصحافية، ومن يمارس لعبة العلاقات العامة مع مشغليه، «كما أنه يمارس دوره من خلال الأدوات البسيطة التي تجلب له الشهرة المصطنعة، والتي بطبيعة الحال لن تدوم.
في الحقيقة، لا يوجد صحافي مكرس، ولا توجد وسيلة إعلام فلسطينية مكرسة، وما نشهده عبارة عن جزر متفرقة تدفع لوسائل إعلام خارجية لا يمكن لها أن تدوم، ولا يمكن لانشغالها بالقضية الفلسطينية أن يدوم».

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك