الدخول في عوالم رواية معاصرة يعني أنك تبحث عن الجديد والتجريب الذي سيقدمه كاتبها، ولأنّ أشكال الكتابة السردية الحديثة تسعى إلى تجاوز البنيان التقليدي، حتى أنّ الكثير من الحديث منها بات تقليديّا، كي لا نقول تقليدا، يأتي الانفتاح على تقنيات حديثة والدمج بينها أمرا مميزا، إن كان صاحبه متقنا له، وهو ما سوف يعلي من شأن التجربة الداخلية للشخصيات والتجربة العامة للقضايا المطروحة، وفي رواية «القالوفة – عشرية عبد القادر صابونة» (منشورات الربيع 2026) سعي من الكاتب الجزائري عبد الباسط باني إلى هذا التجريب وهذا الدمج بين التقنيات، فهل وُفِّق؟ وهل قدّم نصّا «عشريته» تؤدّي غايتها في طرح قضايا عشريات الجزائر؟تبدأ القصة مع مشهدية قتل رشيد الصحافي من قبل واحدة من عصابات «الجماعة»، ويكون شقيقه منصوري بينهم، رشيد الذي كان ينتقدهم في مقالاته، يصبح هدفا يجب قتله باسم الدين والشريعة، وهذا بالفعل ما يحصل.
وبعده تؤخذ فتيحة زوجته غنيمة حرب، والفتى محمد، ابنه صار يحمل مصباحا ليل نهار، يدور في الأزقة، وينتقل من قرية مليانة إلى عين الدفلى، ويُعرف بـ»الملياني»، ومن هناك تنطلق الحكايات بغرائبياتها وعنفها، ونقدها وسخطها تجاه الواقع، مع فصل «حمّو» الكلب الذي يبدأ بسرد قصته أيضا.
يُقتل رشيد خلال العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، ويظهر الكلب مدافعا عنه، وبعد الكلب وقملته يظهر عبد القادر صابونة، الذي عرفنا من عتبة النص إنها عشريته، فمن يكون؟ عبد القادر يحاول اغتصاب كلبة ولكنها تعضه فيصبح مخصيّا، يُطرد من الجماعة، لأنه ما عاد رجلا، ولكنه، ولحنكة لديه، أو مصادفات قدرية، أو عبثية تحكم بلاده، وهي المقصودة في الرواية، يصل إلى منصب رئيس البلدية، السلطة، ممثلة السلطة، رمز السلطة في البلاد، التي تصل فيها الرواية إلى عام 2019، مع ثورة أخرى تنشأ، ولكن قادتها الحيوانات، وخصوصا الكلاب.
يتلاعب الكاتب بالسرد والسارد، فيظهر الكلبان، حمّو ومن بعده النيطوش الذي يقود الثورة، ويُحاكم في النهاية، وهما كلبان بالشكل، وشخصيتان رئيستان متحكمتان، ليس بالسرد فقط، بل بأحداث رئيسية أيضا، حمّو الذي يأكل كبده الناقد اللعين، والنيطوش الذي يقرر الملياني أن يكون بطله، فيزرع له الناب الذهبي، الذي يصبح الأساس في التهم الموجهة إليه في النهاية.
الرواية ممتعة، تتراوح بين الواقعي والعجائبي، وفي لحظات من العجائبي فيها تنسى أن كلبا يسرد أو قردا، أو قملة تحت ذيل كلب، لأن في الرمزية المقصودة والصفات الممنوحة لهذه الشخصيات ما يعطيها بعدا إنسانيّا عندما نقيسها، من دون أن ندري، على حياتنا وعلى الناس في مجتمعاتنا، وخصوصا المهمّشين فيها، فمبارك، اللعين أو الحنون، والملياني وليندا، وحتى صابونة وكل الشخصيات البشرية الواقعية، كان اختيارها لسبب واضح، وهو التركيز على هؤلاء وما أصابهم، وما سيستمر في الحدوث معهم، مهما توالت العشريات وتعددت أسبابها، فهي ستظل واحدة.
وما الحيوانات التي دخلت خط السرد والثورة، ثورتهم ضدّ «القالوفة» وهي حقيقة الجهة المسؤولة عن جمع الكلاب (وقتلها)، إلا ليقول إن الكلب والقرد وغيرهما من حيوانات، ما هي سوى من هم في أدنى مستويات التهميش والفقر والعوز والمعاناة في متجمعاتنا، وعندما تحدث الثورات، يكون هؤلاء في مقدمتها، فالكلب دافع، أو حاولَ، عن رشيد، والنيطوش دافع بالفعل عن الملياني، والتضحية دائما تكون بهؤلاء وهم في مقدمات كل ثورة وكل تضحية.
أعطى الروائي نصه تبريرات لدخول الحيوانات على خط السرد، من خلال سرد رواية داخل رواية تُؤلَّف، وجعل مبارك يعود إليها في النهاية ليعدّل ما أراده، وليجعل من نفسه حنونا، أما المشهد الأخير مع الناقد، فقد كان لرمزيته الشأن الأقل برأيي، حتى إن جعله النص يكتشف أنه أكل كبد كلب! وظهور صابونة الذي بدأ يخف تدريجيّا، هو برأيي من الهنات التي كان يمكن للرواية أن تتفاداها بعدما عقّد كاتبها خيوط السرد والشخصيات، ولعل مقطع «قملة حمو» في بدايتها خير دليل على أن الكاتب كانت خطته مغايرة، ولكنه عندما عدّلها، حاول الإبقاء على تفاصيل ويبرر لها وجودها، عندما أخذت الرواية تنحو في خطوط وتشابكات أخرى.
ليندا تظهر ونقرأ أوراقها، وتعرف ويعرف الملياني أنهما أخوان، تدافع عنه وعن الكلب، وتدافع عن وجودها، أما مبارك فلم يستطع أن يتخطى أصوله، ولم ينجح حتى بالموت كما يقول.
علاقته بصابونة الذي بات مخنّثا قد تُرى مقحمة على النص، وكان يمكن لها أن تكون من خلال أمور كثيرة غير الجنس، ولكن لا بأس والبلاد ومن يحكمها فيها من الغرابة ما لا يُحتَمل ولا يقبله عقل، فكانت الحيوانات الأبطال وعبد القادر ومبارك وكل الأحداث التي جرت، لتدل على أنّ البلاد لا تسير كما شاء لها أبناؤها، رشيد وابناه من بعد، فكانت لثورة الحيوانات الدور في إظهار تلك الغرابة في تاريخ بلاد يضحي مليون من أبنائها لتستقل، فتختار لها مستقبلا كهذا!لغة النص جذلة ومتقنة، لم يتخللها سوى بعض المحكية التي تكاد لا تُرى، وبعض الـ»عووو»، وهنا قصدت أن أنقل الكلمة لأنها بواقعيتها، وإن لم تكن مقبولة أحيانا، إلا أن استخدامها كان لضرورة تحكم بناء الرواية وشخصياتها، ومن يقرأ النص سيعي ذلك.
أما أسلوب الكاتب فكان، على الرغم من تعدد الأصوات ومن الغرائبية، ظل متماسكا، وظل واحدا، وهنا أقول كان يمكن أن يظهر بعض التمايز عندما نسمع صوت الكلب أو صوت المشرّد أو صوت الناقد! تشابهت أصواتهم، وهذا قد يُحسب على الرواية، ولكنني أجد أنه يُحسب لها طالما أن الجميع من المهمشين، مهما تنوعت أدوارهم في المجتمع الذي ما زال يكرر الفاسد والفساد واللعب بالناس والعقول حتى اليوم.
قامت الرواية على مقاربات نقدية للواقع، فتجلّت فيها مظاهر العنف والتهميش في بنية سردية متكسرة، سمحت بتعدد الأصوات وتداخل الغرائبي بالواقعي.
كما اعتمدت على تقنيات سردية حديثة تبرز اضطراب الوعي وتداخل الإنسان مع محيطه، وهنا انعكاس لرؤية سوداوية للعالم، تطرح في الوقت نفسه أسئلة حول الإنسان ودوره في واقع بلاده ومستقبلها!

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك