لأن الطب الحديث يعالج، لكنه أحياناً لا يشرح بما يكفي.
ولأن المرضى المزمنين أنهكتهم الوصفات الطبية، والتحاليل، والآثار الجانبية، والمواعيد.
ولأن الطبيب الحذر يقول: “الأمر يتوقف على الحالة”، بينما يقول الخطاب الرائج: “هذه هي الحلول”.
تعشق شبكات التواصل الاجتماعي اليقينيات.
فهي تفضل الشهادة الفردية على الدراسة، وقصة الشفاء على التدرج، والجملة الصادمة على التوصية الطبية.
مريض يقول “تحسنت حالتي” يصبح أكثر إقناعاً من بروتوكول علمي.
وفيديو يتم تداوله ألف مرة ينتهي بأن يبدو كأنه دليل.
ويضيف الغلاف الديني قوة خاصة.
فكلمة “الطيبات” تمنح النظام عمقاً عاطفياً.
فهو لا يخاطب البطن فقط، بل الإيمان والهوية والحاجة إلى النقاء.
ومن ثم، تصبح النقد صعباً.
فمعارضة النظام قد تُفهم خطأً على أنها معارضة لقيمة دينية، في حين أن الأمر يتعلق فقط بالتذكير بحقيقة بسيطة: كلمة ذات حمولة مقدسة لا تحوّل فرضية غذائية إلى علاج مثبت.
تكشف هذه الظاهرة أيضاً ثغرة أوسع في مجتمعاتنا.
فعندما تتراجع الثقة في المؤسسات الطبية، تظهر سلطات أخرى: مؤثرون، فيديوهات، مجموعات فايسبوك، شهادات عائلية، وشخصيات كاريزمية.
تتحدث هذه الجهات بلغة أبسط، وتعد بأكثر، ولا تطلب انتظار نتائج دراسة.
إنها تمنح الأمل فوراً.
فنظام “الطيبات” ليس خطيراً لأنه يدعو إلى الأكل بشكل أفضل.
بل يصبح خطيراً عندما يخلق وهماً بالاستبدال: استبدال الطبيب بمؤثر، والعلاج بقائمة أطعمة، والحذر باليقين، والعلم بوعد.
بالنسبة إلى تونس، الإشارة واضحة.
فما ينتشر في القاهرة أو الإسكندرية يصل بسرعة كبيرة إلى تونس أو صفاقس أو سوسة.
فالحدود الصحية لم تعد جغرافية، بل أصبحت رقمية.
ويمكن لنصيحة طبية خطيرة أن تعبر البلدان أسرع من تحذير رسمي.
لذلك، لا يتعلق الأمر باحتقار من يتبعون هذا النظام.
فكثيرون يبحثون بصدق عن التحسن.
وكثيرون منهكون.
وكثيرون يريدون أن يصدقوا أن هناك طريقاً أبسط، وأكثر طبيعية، وأخف وطأة من المرض المزمن.
لكن التعاطف لا ينبغي أن يتحول إلى تساهل.
الأكل بشكل أفضل يمكن أن يرافق العلاج، لكنه لا يعوضه.
التغذية المتوازنة يمكن أن تساعد مريض السكري، لكنها لا تلغي، بمعجزة، حاجته إلى الأنسولين.
ونمط العيش الصحي يمكن أن يحمي القلب، لكنه لا يذيب شرياناً مسدوداً.
هنا يكمن الخط الفاصل.
إنه بسيط، لكنه أساسي.
يمكن للصحة أن تستمع إلى التقاليد والإيمان والتجربة والطبيعة.
لكن عندما تكون الحياة على المحك، يجب أن تظل مرتبطة بالدليل والتشخيص والمتابعة الطبية.
يعد نظام “الطيبات” بمصالحة الجسد مع ما هو جيد.
لكن الأهم ألا ننسى ما ينقذ الحياة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك