عندما قامت الحضارة المصرية قبل الآف السنين كان لكل شيء في الكون قيمة، السماء والأرض والنجوم، قدر العلماء وقتها الفلك بشكل خاص حيث كشفت بردية تقويم القاهرة عن جانب مذهل من معرفة المصريين القدماء بعلم الفلك، ومع دراستها يُعتقد أنها قد تكون أقدم سجل تاريخي يوثق رصدًا لتغير سطوع نجم في السماء بالعين المجردة، وذلك قبل آلاف السنين من التفسيرات العلمية الحديثة، بحسب موقع" astronomynow" البريطاني المتخصص في البحث العلمي.
علاقة موثقة بين المصريين القدماء والفضاءترجع البردية المصرية القديمة إلى الفترة ما بين 1244 و1163 قبل الميلاد، وهي محفوظة برقم 86637، وتُعد من الوثائق الفريدة التي تجمع بين الفلك والأسطورة، فقد قسّم المصريون القدماء أيام السنة إلى ثلاثة أجزاء يوميًا، وحددوا لكل جزء منها ما إذا كان يومًا جيدًا أو يومًا سيئًا، وفقًا لتفسيرات مرتبطة بأحداث أسطورية ودلالات كونية.
وبحسب دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة هلسنكي، فإن تحليل النصوص داخل التقويم كشف عن وجود نمطين زمنيين متكررين يحملان دلالة فلكية واضحة، الأول يمتد لنحو 29.
6 يومًا، وهو ما يتوافق بدقة مع دورة القمر، وهو أمر معروف في الحضارات القديمة، أما النمط الثاني، الأكثر إثارة، فيمتد لنحو 2.
85 يومًا، وهو قريب جدًا من دورة نجم متغير يُعرف باسم نجم الغول.
هذا النجم، الذي يُعد من أشهر النجوم الثنائية الكسوفية، تتغير شدة سطوعه بشكل دوري نتيجة مرور نجم أصغر أمام نجم أكبر، ما يؤدي إلى انخفاض ملحوظ في الإضاءة يمكن رصده بالعين المجردة، وتبلغ دورته الحديثة نحو 2.
867 يومًا، ما يجعل الفارق البسيط بينه وبين الرقم المذكور في البردية (2.
85 يومًا) لافتًا للنظر، ويفتح الباب أمام فرضية أن المصريين القدماء رصدوا هذه الظاهرة بدقة مذهلة.
ويشير الباحثون إلى أن هذه الاختلافات الطفيفة في الدورة الزمنية قد تكون ناتجة عن تغيرات فلكية حدثت عبر آلاف السنين، مثل انتقال الكتلة بين نجمي النظام، وهو ما قد يؤدي إلى تغير طفيف في مدة الدورة مع مرور الزمن، وإذا ثبت ذلك، فقد تمثل البردية أول دليل تاريخي على رصد هذا التغير.
والأكثر إثارة أن النصوص المرتبطة بهذه الدورات لم تكن علمية صريحة، بل جاءت في سياق ديني وأسطوري، إذ ارتبطت هذه الظواهر بالإله حورس، أحد أهم رموز الألوهية والملكية في مصر القديمة، وتُظهر الكتابات الهيراطيقية داخل البردية إشارات مباشرة إلى حورس، ما يعزز فكرة أن تغير سطوع النجم كان يفسر على أنه انعكاس لحالة الإله أو أفعاله.
وتتوافق أوصاف “نشاط” حورس في النصوص مع التغيرات المرصودة في سطوع النجم، ما يشير إلى أن المصريين لم يكتفوا بالملاحظة، بل حاولوا تفسير الظاهرة ضمن منظومتهم الدينية والكونية.
ورغم أن نجم الغول لم يُكتشف علميًا كنجم متغير إلا في العصر الحديث، حيث لاحظ الفلكي الإيطالي جيمينيانو مونتاناري تغير سطوعه عام 1667، ثم قدّم جون جودريك تفسيره الصحيح عام 1783، فإن هذه الدراسة تشير إلى أن المصريين القدماء ربما سبقوا ذلك بأكثر من 3000 عام.
ويؤكد الباحثون أن هذه النتائج لا تزال في طور المراجعة العلمية، إذ لم يُنشر البحث بعد بشكل رسمي في مجلة محكمة، وهو ما يعني أن المجتمع العلمي قد يناقشها ويختبرها قبل اعتمادها بشكل نهائي.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك