وجّه عدد من كبار المليارديرات الروس الخاضعين للعقوبات، ممن يتصدرون قائمة فوربس في روسيا، انتقادات علنية حادة للسلطات المالية، معتبرين أن السياسة النقدية المتشددة صنعت ما يشبه" الفخ للاقتصاد"، بعدما دفعت أسعار الفائدة المرتفعة الشركات إلى كبح الاستثمار، ووضعت النشاط الاقتصادي على حافة الركود.
وهذه من المرات النادرة التي ينتقد فيها رجال الأعمال الروس السياسة الاقتصادية للبلاد في العالم، خصوصاً منذ بداية الحرب الروسية الأوكرانية وما تبعها من عقوبات طاولت كبار رجال الاقتصاديين ورجال الأعمال في روسيا.
وجاءت هذه التصريحات، اليوم الجمعة، خلال إفطار عمل نظمه مصرف" سبيربنك" في اليوم الثالث من منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي 2026 تحت عنوان" استراتيجية التنمية: هل توجد بدائل؟ "، بمشاركة مسؤولين حكوميين ومصرفيين ورجال أعمال، من بينهم أسماء بارزة في قائمة فوربس الروسية.
الفائدة المرتفعة في قلب الأزمةتركزت معظم الانتقادات على السياسة النقدية التي ينتهجها البنك المركزي الروسي، إذ يرى رجال أعمال أن كلفة الاقتراض المرتفعة جعلت إطلاق مشاريع جديدة أمراً بالغ الصعوبة، ودفعت الشركات إلى مراجعة برامجها الاستثمارية أو تجميدها.
ويبلغ سعر الفائدة الرئيسي في روسيا حالياً 14.
5%، بعدما كان قد بلغ مستويات أعلى في وقت سابق، غير أن رجال الأعمال يعتبرون أن هذا المستوى لا يزال كافياً لخنق الاستثمار، حتى مع تراجع التضخم مقارنة بذروته السابقة.
شبّه رومان تروتسينكو، وهو ملياردير روسي ومؤسس مجموعة" إيون" وتتركز أعماله في قطاعات النقل والعقارات والأسمدة، سياسة البنك المركزي بما عرف تاريخياً بـ" صدمة فولكر" في الولايات المتحدة، حين رفعت واشنطن أسعار الفائدة بقوة بين نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات لكبح التضخم.
وقال تروتسينكو إن" كتب التاريخ الاقتصادي قد تصف ما جرى في روسيا بأنه فخ زابوتكين"، في إشارة إلى أليكسي زابوتكين، النائب الأول لرئيس البنك المركزي وأحد أبرز المدافعين عن السياسة النقدية الحالية.
وتحدث تروتسينكو عن نموذج اقتصادي فقد كثيراً من أدواته القديمة، بعدما ضعفت قدرة الاقتصاد على الاعتماد على الصادرات والتمويل الرخيص، في وقت تواجه فيه الشركات ضغوطاً متزايدة من الفائدة والضرائب والقيود المرتبطة بالعقوبات.
من جانبه، قال أليكسي مورداشوف، أحد أبرز أقطاب صناعة الصلب في روسيا، إن" الاقتصاد الروسي دخل فعلاً مرحلة تبريد زائد"، مشيراً إلى أن الشركات باتت تقلص خططها الاستثمارية، وأن سوق العمل بدأت بدورها تفقد زخمها.
وفي قطاع الصلب، تحدث مورداشوف عن تراجع كبير في الطلب المحلي خلال السنوات الأخيرة، ما دفع شركته إلى خفض استثماراتها، محذراً من أن استمرار هذا المسار يعني مزيداً من الانكماش في الاستثمار، وبالتالي ضغطاً إضافياً على الناتج المحلي الإجمالي.
اقتصاد الحرب يفقد قوة الدفعوجاءت هذه الانتقادات من رجال الأعمال وواجهة موسكو الاقتصادية في لحظة حساسة للاقتصاد الروسي، الذي استفاد في السنوات الماضية من الإنفاق العسكري والدعم الحكومي، لكنه بدأ يظهر علامات تباطؤ واضحة مع ارتفاع كلفة التمويل، وقوة الروبل، واستمرار العقوبات الغربية.
وتتوقع تقديرات نقلتها" رويترز" أن يتباطأ النمو الروسي إلى نحو 0.
4% هذا العام، بعدما بلغ 4.
9% في 2024.
أما غيرمان غريف، الرئيس التنفيذي لسبيربنك وأحد أبرز المصرفيين الروس والذي أدار الجلسة، فقد اعتبر أن استمرار الاقتصاد الروسي في تحقيق نمو، ولو محدود، وسط هذه الظروف، يعد" معجزة" بحد ذاته، لكنه لم يخف القلق من تراجع الاستثمار ومن استنفاد النموذج الاقتصادي التقليدي كثيراً من احتياطياته.
وأكد غريف أن رجال الأعمال لا يشعرون بعد بثمار خفض الفائدة، لأن القروض لا تزال باهظة الكلفة، وهو ما يبقي الاستثمار تحت الضغط، ويجعل استعادة وتيرة نمو قوية مهمة صعبة من دون تغيير أوسع في شروط التمويل ومناخ الأعمال.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك