أسامة علي مرّت أيام على إعلان البعثة الأممية مخرجات اجتماع "الطاولة المصغرة" حول ليبيا في روما، قبل أن تبدأ المواقف الرافضة من أطراف سياسية ليبية بالظهور، تحديداً من المجلس الأعلى للدولة، ما أثار تساؤلات واسعة حول ما إذا كانت التفاهمات المعلنة تمثل اختراقاً سياسياً قابلاً للتنفيذ، أم مجرد خطوة شكلية لكسر حالة الجمود السياسي سرعان ما ستتبخر.
وذكرت البعثة، الأربعاء الماضي، أن المشاركين في الاجتماع الأول لـ"الطاولة المصغرة"، الذي عُقد في روما، اتفقوا علىتشكيل مجلس جديد للمفوضية الوطنية العليا للانتخاباتيتكون من ستة أعضاء، بواقع ثلاثة أعضاء من مجلس النواب وثلاثة من المجلس الأعلى للدولة، من بين الشخصيات التي سبق أن رشّحها المجلسان، على أن يتولى مكتب النائب العام اختيار رئيس المجلس من بين القضاة المعروفين بالكفاءة والنزاهة والحياد.
وأوضحت البعثة أن المشاركين من ليبيا شرعوا أيضاً في مناقشة القضايا المتعلقة بالإطار الانتخابي، واتفقوا على مواصلة المشاورات بهدف التوصل إلى قوانين انتخابية توافقية وقابلة للتطبيق تمهّد لإجراء انتخابات وطنية.
وتتكون "الطاولة المصغرة" من ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية، إلى جانب ممثلين عن المجلس الأعلى للدولة، وقيادة خليفة حفتر، إلى جانب ممثلين عن مجلس النواب.
وشارك في الاجتماع، عن حكومة الوحدة الوطنية: وليد اللافي وزير الاتصال والشؤون السياسية، ومصطفى المانع رئيس مبادرات رئيس الحكومة، إلى جانب عبد الجليل الشاوش وعلي عبد العزيز عضوين عن مجلس الدولة.
وعن قيادة اللواء الليبي المتقاعد خليفة حفتر: عبد الرحمن العبار رئيس بلدية بنغازي والشيباني بوهمود سفير ليبيا السابق لدى فرنسا، إلى جانب زايد هدية وآدم بوخصرة عضوين عن مجلس النواب، لكن البعثة هي من تولت اختيار الممثلين عن مجلسي النواب والأعلى للدولة من دون تشاور مع أحد.
وكانت المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه قد كشفت خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن، في 22 إبريل/نيسان الماضي، شروع البعثة في التواصل مع "مجموعة مصغرة" من الفاعلين الليبيين بهدف إيجاد "سبل للخروج من حالة الانسداد السياسي الراهنة وتمهيد الطريق أمام المؤسسات الليبية" لتنفيذ مراحل خريطة الطريق.
وفي توضيحات لاحقة، ذكرت البعثة أن اجتماعات الطاولة ستُخصص لبحث ملفي تعديل القوانين الانتخابية وتهيئة المفوضية العليا للانتخابات، وهما الملفان اللذان كانت قد أوكلت معالجتهما، ضمن خريطة الطريق التي أعلنتها في أغسطس/آب الماضي، إلى مجلسي النواب والدولة، من دون أن يحرزا تقدماً ملموساً بسبب استمرار الخلافات بينهما.
نعيمة الحامي: عجز مجلسي النواب والدولة عن إنجاز المرحلة الأولى من الخريطة الأممية، منح البعثة ذريعة للدفع بـ"آلية الطاولة المصغرة" وتقوم خريطة الطريق الأممية، التي أُعلنت في أغسطس/آب الماضي، على ركيزتين أساسيتين، الأولى تتعلق بمراجعة القوانين الانتخابية وتهيئة المفوضية العليا للانتخابات، فيما تقوم الثانية على إطلاق"الحوار المهيكل"بمشاركة نحو 120 شخصية ليبية من مجالات الأمن والاقتصاد والحوكمة والمصالحة الوطنية، بهدف صياغة توصيات تمهد لإجراء الانتخابات وتوسيع قاعدة التوافق السياسي.
وذكرت مصادر ليبية مطلعة لـ"العربي الجديد"، أن البعثة اقترحت على أعضاء "الطاولة المصغرة" عقد الجلسة المقبلة المخصصة لمناقشة تعديل القوانين الانتخابية في 12 مايو/أيار الحالي.
وأشارت المصادر إلى أن الصمت الذي كان سائداً إزاء مخرجات اجتماع روما ما يزال يثير حالة من الترقب داخل أوساط المشاركين، من دون أن تتضح دلالاته، سواء باعتباره مؤشراً على قبول ضمني أو رفض غير معلن للتفاهمات التي تم التوصل إليها.
وفي أول موقف معارض للمخرجات، أعلن المجلس الأعلى للدولة الليبي، مساء السبت، رفضه نتائج اجتماعات الطاولة المصغرة.
وقال المجلس في بيان، إنه تابع "باستياء قيام البعثة بعقد لقاءات في روما، وإشراكها عضوين من المجلس على نحو أوحى بأنهما يمثلان المجلس، في مخالفة للأطر القانونية والمؤسسية".
وأكد أن "العضوين المشاركين لم يكلفا أو يفوضا من المجلس".
كما لفت المجلس إلى أن "هذه الواقعة ليست الأولى من نوعها، إذ دأبت البعثة في أكثر من مناسبة على انتقاء أفراد أو جهات بصورة أحادية للحديث باسم الليبيين".
كما شدد على أن "محاولات فرض مسارات موازية أو تشكيل لجان خارج الأطر الشرعية لم تفض إلا إلى مزيد من التعطيل، وإهدار الوقت، وتعقيد المشهد السياسي".
واتهم المجلس البعثة الأممية بـ"الانحراف عن الدور المنوط بها كجهة دعم ومساندة، والتحول إلى طرف يربك المشهد السياسي، ويغذي الانقسام، ويقوض فرص التوافق الوطني".
وأكد "بطلان أي مساع أو ترتيبات تسند إلى غير الجهات المختصة مهمة تشكيل المفوضية العليا للانتخابات".
كما اعتبر "أي تفاهمات أو مخرجات تترتب على لقاءات روما أو أي اجتماعات فردية مماثلة لا تمثل مجلس الدولة".
وفي ختام بيانه، دعا المجلس البعثة الأممية إلى "مراجعة نهجها، واحترام السيادة المؤسسية الليبية، والالتزام بحدود ولايتها، والتعامل مع المؤسسات الشرعية وفق التشريعات النافذة والاتفاقات السياسية المعتمدة".
وتعليقاً على بيان "مجلس الدولة" بشأن الموقف من مخرجات الطاولة، أكدت عضو المجلس نعيمة الحامي، لـ"العربي الجديد" أن البيان لا يمثل المجلس كاملاً، بل يعبر عن موقف رئاسة المجلس، لافتة إلى أن الأعضاء منقسمون حيال طاولة روما ومخرجاتها.
وأوضحت أن هناك طيفاً يؤيد الحوار ومخرجاته، وآخرين يعارضونه.
وأكدت الحامي رفضها عقد "الطاولة المصغرة" بتمثيل عضوين عن المجلس الأعلى للدولة جرى اختيارهما "مباشرةً" من قبل البعثة الأممية، من دون الرجوع إلى رئاسة المجلس.
واعتبرت الحامي في حديث لـ"العربي الجديد" أن "عجز" مجلسي النواب والدولة عن إنجاز المرحلة الأولى من الخريطة الأممية، منح البعثة "ذريعة" للدفع بـ"آلية الطاولة المصغرة"، مشددة على اعتراضها على هذه الآلية قبل اعتراضها على مخرجاتها.
كما اعتبرت أن اختيار البعثة عضوين عن المجلس "من دون علم رئاسته" يمثل "تجاوزاً" للمجلس، وبالتالي محاولة لـ"إقصاء" مجلسي النواب والدولة من المسار السياسي.
آلية "الطاولة المصغرة" لتحريك الملف الليبي.
المسارات وأبرز الشخصيات من جانبه، رأى عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة، أن ملف تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات "تجاوز أساس الخلاف"، معتبراً أن دور المجلس الأعلى للدولة في هذا المسار "انتهى عملياً" عند حدود اختيار ثلاثة أعضاء للمفوضية، مقابل ثلاثة يختارهم مجلس النواب، وفقاً للاتفاق السياسي.
وأوضح بن شرادة في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن "اختيار رئيس المفوضية يتم بالتوافق بين المجلسين ثم يصادق عليه مجلس النواب"، مشيراً إلى أن مخرجات روما ذهبت إلى منح النائب العام مهمة اختيار رئيس المفوضية من بين القضاة، وبالتالي فالخطوة التالية "من المفترض هي إحالة كامل التشكيلة بعد اختيار الرئيس إلى مجلس النواب لاعتمادها".
ورغم إشارته إلى وجود "اختلاف واسع" داخل المجلس الأعلى للدولة بشأن مسار "الطاولة المصغرة"، فإن بن شرادة أبدى ارتياحه لما جرى في روما، معتبراً أن مجلسي النواب والدولة "عجزا" خلال الفترة الماضية عن تحقيق أي تقدم في المرحلة الأولى من خريطة الطريق الأممية المنوط بهما إنجازها.
وأضاف متسائلاً: "إذا كان المجلسان سيرفضان الآن مخرجات روما، فما البديل الذي يمكن أن يقدّماه بعدما فشلا سابقاً في الوصول إلى تفاهم؟".
في المقابل أكد المتحدث الرسمي باسم مجلس النواب عبد الله بليحق، أن القرار الرسمي في نتائج "أي حوار أو لقاء" بيد مجلس النواب عند انعقاده في جلسة رسمية، مبرراً عدم صدور أي موقف عن المجلس حتى الآن بعدم وصول أي شيء رسمي للمجلس حتى الآن.
من جانبه، رأى الكاتب الليبي عبد الله الكبير، أن سرعة تشكيل طاولة الحوار المصغرة وعقد جلساتها، وحسمها السريع تشكيل مجلس مفوضية الانتخابات، يعكس محاولة البعثة لمعالجة حالة الانسداد السياسي المستمر، أكثر مما يعكس انضباطاً والتزاماً بالأطر الدستورية والقانونية.
وأوضح الكبير في حديثٍ لـ"العربي الجديد"، أن ما تم التوافق عليه من إسناد مهمة اختيار رئيس المفوضية إلى النائب العام من بين القضاة، يثير تساؤلات تتعلق بـ"سلامة التطبيق" من الناحية القانونية والدستورية، بالنظر إلى أن رئيس المفوضية هو منصب سيادي يندرج ضمن الاختصاصات التشريعية لمجلس النواب بالتوافق مع المجلس الأعلى للدولة.
في هذا السياق، اعتبر الكبير إلى أن إسناد مهمة دقيقة وحساسة مثلاختيار رئيس المفوضيةإلى النائب العام يفتح إشكالاً إضافياً، بالنظر إلى أن النائب العام نفسه يُعد من المناصب السيادية في الدولة، وقد جرى التوافق على شاغله ضمن ترتيبات مؤسسية سابقة بين مجلسي النواب والدولة.
وطرح هذا التداخل، بحسب قراءة الكبير، تساؤلاً حول مدى ملاءمة نقل صلاحية بهذا الوزن من مسار تشريعي وسياسي إلى مؤسسة قضائية يفترض أن تبقى محايدة، وما إذا كان هذا الإجراء "يمثل معالجة مؤقتة لحالة التعطيل، أم يمكن أن يفتح الباب لتدخل القضاء في ملفات أخرى".
ووفقاً للكبير فإن استمرار التعامل مع مجلسي النواب والدولة يبقى ضرورياً لضمان اتساق أي مخرجات مع المضمون الدستوري للاتفاقات السياسية التي تبنى عليها أي عملية سياسية، بما يضمن عدم خلق أي تداخل بين السلطات قد يفاقم تعقيدات المشهد بدلاً من معالجتها.
سعد بن شرادة: إذا كان المجلسان سيرفضان الآن مخرجات روما فما البديل الذي يمكن أن يقدماه بعدما فشلا سابقاً في الوصول إلى تفاهم؟ من جانبه، رأى مدير مركز بيان للدراسات الليبية، نزار كركيش، أن ما جرى في روما يمثل "تفاهماً تأسيسياً" لبناء أرضية سياسية قابلة للتطور نحو الانتخابات، وليس "قراراً نافذاً".
وأشار في حديثٍ لـ"العربي الجديد" إلى أن طبيعة خطوات في تصميم الطاولة بعدد أقل من ممثلي الفاعلين الأساسيين "تعكس توجهاً عملياً لتجهيز بيئة التوافق، من دون الدخول في مرحلة الإلزام القانوني النهائي"، ما يجعل مخرجات الطاولة أقرب إلى "إطار تمهيدي" منها إلى اختراق سياسي مكتمل التنفيذ.
ولفت كركيش إلى أن طبيعة الحوار الجاري يتسم بقدر من "حرية الحركة" بين الأطراف، إذ تتم من خلال شخصيات لم يعلن بشكل رسمي عنها وعمن تمثل، وهو ما يعزز رأيه في أن مخرجات الطاولة تمثل مرحلة بناء التفاهمات وليس تثبيت القرارات.
وأضاف أن الاتجاه إلى تعيين شخصية قضائية لرئاسة المفوضية يمثل توجهاً نحو توسيع دور القضاء في الملف الانتخابي، أولاً لتعزيز الثقة فيالعملية السياسية، وثانياً لتلافي غياب دور القضاء في الفترات السابقة التي جرت فيها محالات لإجراء الانتخابات.
وأكد كركيش أن البعثة الأممية تعتمد مقاربة تقوم على "تجزئة الحل"، عبر فصل الملفات بدلاً من معالجتها دفعة واحدة، وهو ما يظهر بوضوح في طرح ملف المفوضية في الجلسة الأولى للطاولة وإرجاء ملف القوانين الانتخابية للجلسة المقبلة.
واعتبر أن هذا يمنح المجتمعين حول الطاولة مرونة أكبر في مواجهة التعطيل.
وختم كريكش بأن ما تحقق حتى الآن لا يزال في إطار التفاهمات السياسية القابلة للتطوير، وليس في إطار التسويات النهائية الملزمة.
"الطاولة المصغرة" في ليبيا.
مطالبات بتوضيحات عاجلة وسط صمت "النواب" الصومال أمام عام انتقالي صعب: المعارضة تتشدد إزاء الحوار وطني وثيقة مبادئ برلين بشأن السودان: توافق شكلي لا يكفي لإنهاء الحرب إرث الملفات الشائكة ينتظر الحكومة العراقية التاسعة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك