يواجه وزير الطاقة السعودي، عبد العزيز بن سلمان، تحدياً متصاعداً داخل منظمة البلدان المصدرة للبترول (أوبك)، يُضاف إلى الاضطراب غير المسبوق في إمدادات النفط العالمية.
فالحرب مع إيران لم تعرقل صادرات النفط الخام من الخليج فحسب، بل حدّت أيضاً من قدرة السعودية ودول أخرى في المنظمة على الاستفادة من فائض الطاقة الإنتاجية، وهو إجراء يُفعّل عادة في أوقات الأزمات، بحسب ما ذكرت وكالة" رويترز".
ونقلت الوكالة عن مندوبين من تحالف أوبك+، الذي يضم حلفاء من بينهم روسيا إلى جانب أوبك، أن الانسحاب المفاجئ للإمارات، رابع أكبر منتج في أوبك العام الماضي، والتي تلي السعودية في فائض الطاقة الإنتاجية، يشكل اختباراً صعباً لأول وزير نفط سعودي.
وأشارا إلى أن أسلوبه شهد تحولاً من الدبلوماسية الحذرة إلى اتخاذ قرارات أحادية الجانب بشكل متزايد.
وقال جيم كرين، زميل معهد بيكر بجامعة رايس: " كانت الإمارات تشعر بالاستياء داخل أوبك على مدى سنوات، ولم تحصل قط على فرصة عادلة لمناقشة حصتها.
والآن حان وقت الحساب".
ويستمد عبد العزيز قوته داخل أوبك+ من احتياطي النفط الهائل وفائض الطاقة الإنتاجية للسعودية.
وعلى عكس وزراء الطاقة السابقين، فهو من العائلة المالكة، ويحظى بدعم أخيه غير الشقيق، ولي العهد محمد بن سلمان.
وكان عبد العزيز قد خاض حرب أسعار مع روسيا في عام 2020 وانتصر فيها، بعدما رفضت موسكو في البداية خفض الإنتاج مع تراجع الطلب.
وقال لاحقاً في فيلم وثائقي سعودي: " كانت مسألة تكون أو لا تكون.
من هو رئيس هذا القطاع؟ ".
كما تحدى مراراً دعوات الرئيس الأميركي السابق جو بايدن إلى زيادة الإنتاج.
وفي عام 2022، منحت منظمة أوبك صلاحيات غير مسبوقة بصفتها رئيساً للمنظمة، تخوّله توجيه الدعوات لعقد اجتماعات في أي وقت.
لكن سعيه لفرض الانضباط في السوق يواجه واقعاً جديداً.
فإذا أعيد فتح مضيق هرمز وعاد إنتاج النفط في الخليج إلى طبيعته، فإن الإمارات التي لم تعد مقيدة بأي حصص، والتي شكّلت 12% من إنتاج أوبك العام الماضي، قد تصبح عاملاً خارجاً عن سيطرة الرياض.
ولم يرد مركز التواصل الحكومي السعودي ولا وزارة الطاقة السعودية، ولا وزارتا الطاقة والخارجية في الإمارات، على طلبات للتعليق.
خلال انهيار سوق النفط في عام 2020 بسبب جائحة كوفيد-19، أصر عبد العزيز على التوصل إلى اتفاق بالإجماع بشأن تخفيضات تاريخية في إنتاج أوبك+.
وأدى ذلك إلى مفاوضات ماراثونية استمرت أياماً، انتهت بتسوية دبلوماسية تضمنت تحمّل الولايات المتحدة جزءاً من تخفيضات المكسيك، التي كانت الدولة الوحيدة المعارضة.
لكن مندوبين في أوبك+ أكدوا أن هذا الالتزام الصارم بالوحدة أصبح أكثر تشدداً منذ ذلك الحين.
وأوضحوا أن المسؤولين السعوديين غالباً ما يبلغون وزراء الدول المنتجة الأصغر في أوبك+ بالاتفاق النهائي قبل يوم واحد فقط من الاجتماعات.
وأشار أحد المندوبين إلى أنه في أحد الاجتماعات الأخيرة، تم الاتصال أولاً بألكسندر نوفاك، نائب رئيس الوزراء الروسي، ثم بممثلي الدول الست الأخرى الملتزمة بالتخفيضات الطوعية، ولم تستغرق الاتصالات أكثر من نصف ساعة.
وأقر عدد من المندوبين بأن السعودية تتحمل العبء الأكبر من تخفيضات الإنتاج، لكنهم اعتبروا أن غياب التشاور في القرارات الكبرى يمثل خروجاً مقلقاً عن الممارسات السابقة.
كما أشاروا إلى أن تحالف أوبك+ همّش دور الخبراء الفنيين منذ أواخر عام 2022، ما أدى إلى نقل القرار مباشرة إلى الوزراء دون مساحة كافية للنقاش.
وقال أحد المندوبين: " نحن نقدر ما يفعله صاحب السمو الملكي من أجل أسعار النفط".
ورغم التساؤلات التي أثيرت مؤخراً حول مستقبل أوبك وتحالفها مع روسيا، رأى مندوب آخر ومصدر مطلع أن الأزمة الحالية قد تعزز التماسك في نهاية المطاف، وتجعل عملية اتخاذ القرار أكثر سلاسة.
برز التنافس الجيوسياسي بين السعودية والإمارات مطلع العام، مع اندلاع اشتباكات في اليمن بين فصائل مدعومة من الرياض وأخرى من أبوظبي.
وكان الخلاف النفطي داخل أوبك قد بلغ ذروته في عام 2021، عندما طالبت الإمارات بزيادة حصتها الإنتاجية.
ولم يتم التوصل إلى اتفاق لزيادة قدرها 300 ألف برميل يومياً إلا بعد تصعيد القضية إلى العلن.
وارتفعت حصة الإمارات بنحو 500 ألف برميل يومياً منذ عام 2019، وهو ما يمثل نحو 0.
5% من الطلب العالمي، متجاوزة زيادات أعضاء آخرين.
كما تم رفع هدف إنتاجها في يونيو/حزيران 2023، في وقت خُفّضت فيه حصص أنغولا ونيجيريا، قبل أن تنسحب أنغولا لاحقاً.
وكانت السعودية قد قدمت هذه التنازلات مقابل التزام الإمارات باستثمار 150 مليار دولار في توسيع طاقتها الإنتاجية، إلا أن أبوظبي انسحبت من المجموعة لاحقاً.
تزايد الخسائر وتحديات السوقبالنسبة لأسواق النفط، يبقى تأثير خروج الإمارات محدوداً طالما ظل مضيق هرمز مغلقاً فعلياً.
فقد خسر العراق والكويت معظم صادراتهما، بينما حافظت الإمارات على جزء من إمداداتها عبر خليج عمان.
أما السعودية، فقد تمكنت من إعادة توجيه ما بين 60% و70% من صادراتها إلى البحر الأحمر عبر خط أنابيب أُنشئ عام 1981 خلال الحرب بين إيران والعراق.
وعلى هامش مؤتمر أوبك العام الماضي الذي مُنعت" رويترز" ووسائل إعلام أخرى من تغطيته، أعلن المزروعي أن الإمارات تخطط لزيادة طاقتها الإنتاجية بنسبة 20% إضافية، لتصل إلى ستة ملايين برميل يومياً بعد عام 2027، أي ما يعادل نصف الطاقة الإنتاجية للسعودية، في تحدٍ واضح لسياسات ضبط الإنتاج التي يقودها عبد العزيز.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك