في لحظة تتويج جديدة للمشهد الثقافي الإماراتي، جاء فوز مؤسسة الإمارات للآداب بجائزة الشيخ زايد للكتاب ليؤكد حضورها كلاعب رئيسي في صناعة المحتوى الثقافي عربيًا وعالميًا.
في هذا الحوار الخاص، تكشف أحلام بلوكي، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة الإمارات للآداب، مديرة مهرجان طيران الإمارات - المديرة الإدارية لدار إلف للنشر عن رؤية المؤسسة لمستقبل الأدب، واستراتيجيتها لتمكين المبدعين، وتفتح نافذة على آفاق التعاون الخليجي، خصوصًا مع البحرين.
*كيف تنظر مؤسسة الإمارات للآداب إلى فوزها بجائزة الشيخ زايد للكتاب؟ وماذا يعني هذا الإنجاز للمشهد الثقافي في الإمارات؟تعد الجائزة بمثابة بوصلة تؤكد صحة المسار الذي اتخذناه منذ البداية.
فوزنا في فئة النشر والتقنيات الثقافية” تحديداً يدل على أن الثقافة اليوم هي منظومة معرفية متكاملة عوضاً عن مجرد رفوف كتب.
وفي هذا السياق، يأتي دور دار الف للنشر إذ تسهم في إثراء المشهد الأدبي في دولة الإمارات وتحرص على تقديم كتب تعكس ثقافة المنطقة وتاريخها الغني، بما يضمن نقل هذا الإرث للأجيال القادمة بلغة معاصرة وقريبة لقلوبهم.
بالنسبة للمشهد الثقافي الإماراتي، هذا الإنجاز هو ثمرة لرؤية الدولة في الاستثمار في الإنسان نعمل في مؤسسة الإمارات للآداب، كجزء من منظومة وطنية كبرى، وهذا الفوز يضع على عاتقنا مسؤولية جديدة لتقديم نموذج رائد يثبت أن مؤسساتنا قادرة على المنافسة ضمن معايير الجودة العالمية، وتقديم محتوى رقمي ومعرفي يخدم القارئ، ولا سيما العربي أينما كان.
*ما الذي ميز المؤسسة عن غيرها في ظل هذه المنافسة العالمية؟التميز الحقيقي يكون دائماً في أثر الفعالية لا محورها.
تبرز المؤسسة من خلال قدرتها على بناء جسور حقيقية؛ إذ أصبحنا محرك لإنتاج محتوى وتصديره وبدايتنا كانت الاستماع إلى الأدباء من حول العالم، سواء على منصة مهرجان الإمارات للآداب العالمية، أو المبادرات الثقافية.
تميزنا يكمن في إيماننا بأن المحتوى الإقليمي يمتلك قيمة عالمية؛ لذلك حرصنا على أن نكون البوابة التي تخرج منها هذه القصص للعالم عبر شراكاتنا الدولية.
أثرنا يمتد لما بعد أيام المهرجان ويستمر طوال العام عبر الفضاء الرقمي والبرامج التعليمية.
*كيف تخططون للاستفادة من هذا الإنجاز لدعم وتطوير المشهد الأدبي في الإمارات؟خطتنا القادمة ترتكز على هندسة الفرص للمبدعين المحليين.
إذ نستثمر هذا الزخم لتعزيز دورنا كحاضنة للمواهب عبر دار “إلف” للنشر، التي تعتبرها جسر حقيقي بين المسودات المخبأة في الأدراج إلى الكتب التي تنافس في الأسواق العالمية.
كما نسعى لتوسيع نطاق زمالة الفصل الأول”، زمالة" الإمارات للآداب وصديقي للكتاب"، لتشمل آفاقاً إبداعية أوسع، مع التركيز على تمكين الكاتب من صقل موهبته الأدبية.
هدفنا هو خلق بيئة لا يجد المبدع نفسه تائهاً في البحث عن وسيلة للنشر أو الوصول للجمهور لكن يجد في المؤسسة شريكاً استراتيجياً يدعمه فنياً وتقنياً ويوصله للمحافل الدولية التي نمتلك فيها حضوراً قوياً مثل مهرجان إدنبرة، معرض القاهرة الدولي للكتاب مهرجان برادفورد الأدبي، مهرجان تورونتو الدولي للمؤلفين بكندا، مهرجان أوبود للكتاب والقراء في بالي والمزيد.
*كيف ترين فرص التعاون الثقافي بين دول الخليج، خصوصاً مع البحرين؟التعاون الثقافي الخليجي هو ضرورة تمليها علينا جذورنا المشتركة البحرين كانت وما زالت منارة للأدب والفكر، والفرص بيننا اليوم تتجاوز تبادل الزيارات إلى صناعة أثر وارث مشترك نرى فرصاً كبيرة في توحيد جهودنا للوصول للعالمية، وتبادل الخبرات في مجال التحول الرقمي الثقافي، وتنظيم فعاليات مشتركة تسلط الضوء على الهوية الخليجية المعاصرة.
معاً، نصبحكيان ثقافي واحد يمتلك قصصاً يترقبها العالم بشغف.
*بدأت مسيرتك كمتطوعة في المهرجان؛ ما الذي تعلمته من تلك المرحلة وما زال يرافقك اليوم؟التطوع هو الذي كشف لي أن روح العمل الثقافي تكمن في التفاصيل التي لا تراها الكاميرات تعلمت أن النجاح لا يُقاس بكبر القاعات أو أعداد الحضور فحسب، بل بتلك اللحظة التي يكتشف فيها زائر فكرة جديدة، أو نلهم فيها طفل من خلال ترتيب لقاءه مع كاتب، أو في رؤية العديد من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 16 و22 عاماً شغوفين بالتطوع في المهرجان عاماً بعد عام.
أدركت مع الوقت، أن المهرجانات الأدبية هي بمثابة مساحات يكتشف فيها كل شخص صوته ويرى انعكاس أفكاره في الآخرين هي منصات حقيقية لتبادل الآراء والثقافات؛ إذ يجد البعض أنفسهم في أعمال الكتاب، وآخرون يلتقون بأشخاص يشاركونهم نفس الاهتمامات.
هذه اللحظة في حد ذاتها هي نقطة تحول القارئ من قارئ عادي إلى قارى شغوف أو للكاتب من ها وإلى كاتب محترف يبدأ رحلته في عالم الأدب.
هذا الأثر هو ما يرافقني اليوم الإيمان بأننا نصنع تجارب إنسانية لا تُنسى حين نرى أن 64% من زوار مهرجاننا هذا العام يزورونه للمرة الأولى، أتذكر دائماً شغف البدايات كمتطوعة، وأدرك أن وظيفتي الأساسية هي جعل كل زائر يستشعر لحظة الوقوع في حب الكتب؛ سواء لأول مرة أو من جديد.
*كيف تقرؤون راهن الحراك الأدبي في مملكة البحرين اليوم؟المشهد الأدبي البحريني يتميز بالتجدد، وهو ما لمسناه واقعاً في مؤسسة الإمارات للآداب من خلال استضافتنا للمفكر والأديب الدكتور حسن مدن في دورة مهرجان طيران الإمارات للآداب لعام 2026.
وجود قامة أدبية على مستوى الدكتور مدن بخبرته العميقة في رصد التحولات الثقافية والاجتماعية، يعكس الثقل المعرفي الذي تقدمه البحرين للمشهد العربي.
نلمس اليوم، تحولاً جوهرياً في جيل الشباب البحريني الذي يطرح قضايا معاصرة بلغة ادبية رفيعة، متمسكاً بجذوره ومنفتحاً في الوقت ذاته على تجربة ما هو جديد في البحرين نجد مؤسسات ثقافية عريقة لكن مبتكرة، وما نلاحظه مؤخراً هو هذا الحضور القوي للكتاب البحرينيين والمبادرات الثقافية المستقلة التي تعيد تشكيل المشهد برؤية عصرية تليق بتاريخ المملكة الثقافي.
وفي هذا السياق، سعدنا بمشاركة الجامعة الخليجية في البحرين ضمن برنامج المهرجان الدولي للشباب، وهي خطوة نعتبرها بداية المسار أوسع من التعاون مع الشباب البحريني، وبوابة لبناء شراكات مستدامة تفتح أمامهم آفاق التبادل الثقافي والمعرفي.
كما شهدنا مشاركة لافتة لطلبة المدارس من البحرين في مسابقاتنا التعليمية مثل كأس القراء ومسابقة القصة القصيرة حيث قدموا نماذج متميزة تعكس أن المواهب الأدبية البحرينية قادرة على عبور الحدود وأن أصوات مبدعي البحرين قد وجدت صداها ووصلت إلى مجتمعها الثقافي الأوسع في دولة الإمارات.
إن هذا التمازج بين خبرة الرواد وحيوية الشباب، إلى جانب هذه الجسور الجديدة مع المؤسسات التعليمية، هو ما يجعل الحراك البحريني نموذجاً ملهما في منطقتنا، ويعزز إيماننا بأن الاستثمار في الشباب هو الطريق الأصدق لبناء مستقبل ثقافي مزدهر.
*هل ثمة رؤية مستقبلية تجمع المؤسسة بنظيراتها البحرينية لخلق فضاء أدبي خليجي موحد؟نحن في مؤسسة الإمارات للآداب نؤمن بالشراكة كنهج حياة طموحنا هو بناء فضاء أدبي خليجي يتجاوز الحدود الجغرافية ليكون قوة ناعمة موحدة ومؤثرة عالمياً.
نسعى دائماً لعقد شراكات تركز على مجالات النشر الرقمي، وتبادل المواهب الشابة وتطوير برامج مشتركة لتمكين الكتاب.
هدفنا أن يرى العالم في مبدعنا الخليجي قصة واحدة ذات فصول متنوعة ومبهرة.
*كيف يمكن هندسة مسارات جديدة تضمن حضوراً أقوى للمبدع البحريني على منصاتكم الدولية؟المبدع البحريني مرحب به دوماً في بيته الثاني بدبي.
هندسة هذه المسارات تبدأ من خلال دمج الأصوات البحرينية في جلساتنا العالمية لتكون جزءاً من الحوار الثقافي الدولي، وليس فقط المحلي.
كما نسعى لتسهيل وصول الإنتاج الأدبي العربي عبر منصات النشر الرقمي، لضمان استدامة حضور المبدع العربي بما يليق بعراقة النتاج الثقافي في وطننا العربي دبي هي بوابة، والمبدع البحريني العربي هو ركن أساسي في المشهد الذي نعرضه للعالم.
*ما هي الرسالة التي توجهونها للأقلام البحرينية الشابة للمنافسة دولياً؟آمنوا بأصالة قصصكم.
العالم اليوم لا يبحث عن نسخ مكررة من الأدب الغربي هو متعطش للقصص التي تخرج من أعماق بيئتنا وتفاصيلنا المحلية.
الوصفة ببساطة هي: القراءة المكثفة في مختلف الثقافات، التمكن من أدوات اللغة والمثابرة على الكتابة دون خوف من الفشل.
لا تحبسوا أقلامكم في النطاق المحلي؛ فالأدب هو الذي ينطلق من أصالة المحلية ليصل إلى قلوب الناس في كل مكان هويتنا هي قوتنا الحقيقية، واللغة هي المفتاح الذي سيفتح لكم أبواب العالم.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك