إن الحديث عن سيناريوهات المستقبل في جغرافيا الشرق الأوسط يقترب، في كثير من الأحيان، من مقاربة المستحيل.
ليس من منطلق التقاطعات التي تفرضها الأزمات وتجعل تداخلها أشبه بخلايا عنقودية من الصعب التحكم في نموها أو إيقاف تمددها باتجاهات ضرب الأمن القومي للمنطقة لصالح صراعات حروب بالوكالة إقليمياً ودولياً، ولكن من غموض الوقائع وجِدَّة الأحداث المتسارعة نتيجة الطبيعة المركَّبة للصراع ذاته.
فالمنطقة لا تعيش أزمة واحدة يمكن تتبُّع مساراتها، بل تتشابك فيها أزمات متداخلة، وبقدر صلة بداياتها بإرث قديم من الصراعات، بقدر ما تعمل مستجداتها باتجاه تغذية أنماط أكثر تصعيداً للصراع الإقليمي والدولي، وفي قلب هذا المشهد تتقاطع حسابات الفاعلين المحليين مع أجندات قوى خارجية، بما يجعل أي محاولة لبناء تصور مستقبلي رهينة بكم هائل من المتغيرات غير المستقرة.
لهذا يضج الشرق الأوسط، ومنطقة الخليج تحديداً، باعتبارها أحد أكثر الفضاءات صعوبة في إخضاعها لنماذج تنبُّئية تقليدية، يضج بأزمات لا تنتهي، إذ تتجاوز ديناميكياته قدرة السيناريوهات الخطية على الإحاطة بها أو استشراف مآلاتها بدقة.
وفي ضوء ذلك سنحاول تقديم مقاربة لجملة سيناريوهات يمكن استيعابها في إطار التصعيد الحالي، بالإسقاط على تجارب سابقة يبدو أنها امتداد لصراع اليوم.
أولاً: سيناريو إعادة تشكيل النظام الإقليمييقوم هذا المسار على فرضية أن القوى الفاعلة، رغم تناقضاتها، تدرك أن كلفة الفوضى باتت أعلى من كلفة التفاهم، وأن الاستمرار في إدارة الصراعات المفتوحة لم يعد خياراً قابلاً للاستدامة.
في هذا الإطار، تتجه الأطراف المؤثرة إلى صياغة ترتيبات أمنية جديدة، لا تقوم بالضرورة على إنهاء التنافس، بل على تنظيمه ضمن حدود يمكن السيطرة عليها.
في هذا السيناريو نرى حضوراً نوعياً لباكستان، هو أقرب للتأثير على قوى الصراع، باعتبار أن علاقاتها مع الجميع جيدة، وأيضاً لاعتبار المصالح التي تؤدي مقارباتها دوراً في تثبيت حضورها الإقليمي والدولي، ونقصد هنا باكستان.
وهنا تتحول التحالفات من صيغتها الظرفية إلى بنى أكثر رسوخاً، حيث تتكامل الأبعاد العسكرية مع الاقتصادية والسياسية، بما يخلق شبكات مصالح عابرة للأزمات، تحقق تقارباً يقدم طوق نجاة للسلام والأمن الدولي والإقليمي، كما أنه يقدم نهاية درامية تحقق سردية النصر للأطراف.
غير أن هذا المسار يظل مشروطاً بعدة عوامل، وقد يُعد فخاً سرعان ما ينفجر، فأمريكا ترامب لا تقبل القسمة على اثنين، ولديها مستويات من المصالح ترغب في تسويتها، بدءاً بمواجهة الصين، ومروراً بحماية إسرائيل، وصولاً إلى علاقاتها الاستراتيجية مع دول الخليج.
هذا السيناريو يتطلب مسئولية أعلى لدى الأطراف، وتقديم المصالح السياسية والاقتصادية قبل المصالح العسكرية، وهذا بالضرورة ما قد لا يتوفر، خصوصاً مع الرؤية الطموحة لإيران في استمرار دعم أذرعها في المنطقة، في لبنان والعراق واليمن، وتأثيرات ذلك على الإقليم، وإسرائيل بطبيعة الحال، ومطالب أمريكا بإنهاء ذلك، بالإضافة إلى ضرورة تقديم مقاربات مختلفة، في ظل استحالة امتلاك إيران سلاحاً نووياً، أو حتى تخصيب اليورانيوم، وكذلك مشروع الصواريخ الباليستية، وعودة مضيق هرمز إلى ما كان عليه قبل الحرب، وهذه مطالب ترامب التي لا حَيْدَ عنها.
فمثل هذه السيناريوهات اليوم تُعد، رغم إمكانياتها السياسية على الورق، ضرباً من المستحيل في الواقع، فإيران قبل السابع من أكتوبر تبدو مختلفة تماماً عن إيران اليوم.
ثانياً: سيناريو الانفلات - والهدن المؤقتةنحن هنا أقرب إلى فكرة هدن مؤقتة، تصاحبها اتفاقات مؤقتة سرعان ما تنفجر، لتعود جولة حرب أخرى وهجوم على إيران، مثلما حصل بعد حرب الـ12 يوماً، وما يُتوقع أن يحصل بعد حرب الـ40 يوماً.
ففي الحرب الأولى توقفت العمليات دون الوصول إلى أي مساعٍ للحلول أو مقاربات، والحرب الثانية توقفت أيضاً على النحو ذاته، وما زالت المساعي تُبذل قبل انتهاء هدنة الأسبوعين.
ورغم الجهود التي تبذلها باكستان أو غيرها من الدول، عبر ضغود مباشرة وغير مباشرة، إلا أن سيناريو الانفلات والفوضى في المنطقة يبدو هو الأرجح، نظراً أولاً لتأثير نتنياهو وإسرائيل على ترامب، على الأقل خلال السنوات الثلاث القادمة، ونظراً للرغبة في إخضاع إيران عبر القبول بشروط ترامب التفاوضية.
وكما يبدو أن هناك أيضاً ضغوطاً صينية على إيران للقبول بما يمكن أن يحقق تهدئة في المنطقة، وفي هذا السيناريو تتشكل هدن مؤقتة واتفاقات مؤقتة، تجعل من إيران ساحة لضربات مستمرة، على ما يبدو، طوال فترة إدارة ترامب الثانية والأخيرة، وكلما رأت أمريكا وإسرائيل ما يثير القلق من تحرك داخلي في إيران، تقوم بضربه وتصفيته، وهو ما يجعل المنطقة بأكملها في حالة صراع دائم، إذ إن إيران قد تلجأ، بالضرورة، إلى ضرب دول الخليج والمراكز والقواعد الأمريكية والمصالح العامة فيها، مما يُبقي المنطقة في صراع كبير لا نهاية له.
ويدفع هذا السيناريو إلى إنتاج دورات متكررة من العنف، حيث يؤدي كل تصعيد إلى خلق ظروف لتصعيد لاحق، في حلقة يصعب كسرها، كما أن تعدد الفواعل يُعقِّد أي محاولة للتسوية، إذ لا يكفي التوصل إلى اتفاق بين الدول، ما دام هناك لاعبون آخرون لا يخضعون لنفس الحسابات، قد يسعون لإغراق أمريكا في استنزاف وصراع لا يخدمها على المدى الطويل.
ثالثاً: التجميد الاستراتيجيبين هذين المسارين، يبرز سيناريو ثالث يتسم بالغموض والاستمرارية في آن واحد: وهو اتجاه نحو حالة من التجميد الاستراتيجي، حيث تتوقف الحروب الكبرى دون أن تُحل جذورها.
في هذا الوضع، تتعايش الأطراف مع حالة من «اللاسلم واللاحرب»، تُدار فيها التوترات عبر آليات غير مباشرة، مثل الضغوط الاقتصادية، أو المواجهات المحدودة، أو الحروب بالوكالة.
هذا السيناريو قد يبدو أقل كلفة على المدى القصير، لكنه يحمل في طياته مخاطر كامنة، فغياب الحلول الجذرية يعني بقاء أسباب الصراع قائمة، ما يجعل أي توازن عُرضة للانهيار عند أول اختبار جدي.
يبدو أن المنطقة لن تتجه نحو حسم واضح، بل نحو حالة وسطية تجمع بين عناصر الاستقرار والاضطراب، فقد نشهد ترتيبات أمنية تشمل جزءاً من أزمة في بعض المناطق، مقابل انفلات في مناطق أخرى، وتوازنات هشة تتعايش مع بؤر توتر دائمة.
هذه «المرحلة الرمادية» ليست بالضرورة مرحلة انتقالية قصيرة، بل قد تتحول إلى سمة دائمة للنظام الإقليمي، ففي عالم تتغير فيه موازين القوة بسرعة، وتتشابك فيه المصالح بشكل غير مسبوق، يصبح من الصعب الوصول إلى استقرار كامل، كما يصبح الانهيار الشامل أقل احتمالاً.
في المحصلة، يبقى سرد مجموعة السيناريوهات غير قابل للإسقاط السياسي في الظروف الطبيعية، في ظل حالة التذبذب الدائمة في هذا الصراع، وفي ظل متغيرات دولية بات تأثيرها الإقليمي أكبر من قدرة المنطقة على تحمُّله، فمنذ قيام الثورة الإيرانية دخلت المنطقة في أربع حروب كان الخليج العربي ساحتها وميدانها، ولذلك دلالة واحدة، وهي أن المنطقة دخلت في صراع طويل لن ينتهي قريباً.
كاتب وباحث يمني - المدير التنفيذي للمركز الأوروبي لقياس الرأي بهولندا.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك