وكالة سبوتنيك - من الملعب إلى صفحات المجد.. كيف وثق "This is Our Game" علاقة القاهرة المعقدة بكرة القدم؟ الجزيرة نت - فرنسا تسقط أمام كوت ديفوار وديشان يطلق إنذارا مبكرا الجزيرة نت - "المقاومة لا تعرف عمرا".. سيرة أكبر مقاتلي القسام سنا تثير تفاعلا واسعا العربي الجديد - مأساة في النيجر خلال عيد الأضحى: مصرع 49 شخصاً عطشاً في الصحراء الجزيرة نت - يشبهون سلاحف النينجا.. لماذا يظهر أشخاص غامضون من مجاري نيويورك؟ العربي الجديد - نتنياهو: لا اتفاق مع لبنان حالياً ولن ننسحب قبل تفكيك حزب الله العربية نت - طفل مصري يغرق في مياه النيل.. وصرخات ودموع في موقع البحث قناه الحدث - فاجعة في صعيد مصر.. غرق طفل في النيل والبحث مستمر عن جثمانه القدس العربي - قبل حسم انتخابات الرئاسة.. بيريز يلوح بصفقة تاريخية لريال مدريد قناة القاهرة الإخبارية - استراتيجية أمريكية مثيرة للجدل.. الإنهاك الاقتصادي والتصعيد العسكري في مواجهة إيران
عامة

غرائبية أبي النحس المتشائل وسردية البقاء

القدس العربي
القدس العربي منذ 1 شهر

لا أعرف لماذا عدتُ إلى قراءة «المتشائل» لإميل حبيبي، وكأني أبحث عن شخصية تمزج بين الواقعي والغرائبي، ليس في وجودها، وفي تناقضها، بل في تمثيل حزنها الساخر، وفي الإحساس بأن المفارقات التي تسكننا هي الخل...

ملخص مرصد
تسلط المقالة الضوء على شخصية «سعيد أبي النحس المتشائل» في رواية إميل حبيبي، التي تجسد الواقعية السحرية والهزيمة القومية العربية. تتناول السردية غرائبية الاختفاء والتموضع في المجال الرمادي، حيث يتحول التشاؤم إلى خيانة، والتفاؤل إلى تطرف. كما تربط الرواية بين اختفاء سعيد وأزمات المثقف العربي، مشيرة إلى أن الهزيمة التاريخية (حزيران/يونيو 1967) شكلت جرحًا أيديولوجيًا عميقًا.
  • شخصية «سعيد أبي النحس» في رواية إميل حبيبي تمثل الواقعية السحرية والهزيمة القومية العربية
  • الاختفاء في الرواية يرمز إلى أزمة المثقف العربي وغياب الهوية الوطنية
  • الرواية تربط بين غرائبية الأحداث والهزيمة التاريخية (حزيران/يونيو 1967) وأزمة الهوية الفلسطينية
من: سعيد أبي النحس (شخصية روائية) وإميل حبيبي (كاتب)

لا أعرف لماذا عدتُ إلى قراءة «المتشائل» لإميل حبيبي، وكأني أبحث عن شخصية تمزج بين الواقعي والغرائبي، ليس في وجودها، وفي تناقضها، بل في تمثيل حزنها الساخر، وفي الإحساس بأن المفارقات التي تسكننا هي الخلطة العجيبة ذاتها التي يطبخها الكثيرون اليوم، في الإعلام العربي، وفي السياسة العربية، وحتى في مراثي سرديات الرواية العربية.

شخصية « سعيد أبي النحس المتشائل» بطل وقائع أميل حبيبي، تضع المرارة أمامنا، فتقلل من جرعة اطمئناننا، وتضع المثقف العربي الذي نلبس أقنعته أمام رثاثته، أو هشاشته لا فرق، فالراهن الذي نعيشه ليس بعيدا عن «الواقعية السحرية»، ولا عن تمثل تلك «الوقائع الغريبة»، بوصفها جزءاً من تلك الواقعية القاسية والمخاتلة، فجعلت من اختفاء «سعيد» موضوعا إشكاليا، ليس بالمعنى الدرامي، ولا البوليسي فحسب، بل بمعنى فتح «ملفات» غامضة، ومسكوت عنها في الزمن العربي، أقصد زمن الاختفاءات الكبرى، والتموضع في المجال الرمادي، حيث يبدو التفاؤل تطرفا راديكاليا، والتشاؤم خيانة وطنية وشرعية.

الوقائع تتكرر، وسعيد ليس بعيدا عن ذلك الزمن العربي، ولا عن هوية المواطن والثوري والبطل الشعبي والبورجوازي الصغير والمناضل الحزبي، إذ كلهم ينخرطون في لعبة واحدة تقوم على تمثيل ثنائية الحضور والغياب، حدّ أن خيار الاختفاء يتحول إلى دافع لإجراء مسحٍ للذاكرة، بحثا عن أشياء غائبة، أو أحلام مهربة، أو عن قصائد تشتم الحكومات، أو تناكف حكما شرعيا، أو لصا قوميا.

بطل الرواية يختفي لأنه بطىء جدا، إزاء العالم السريع جدا، حيث يفقد معه القدرة على الانتظار، وعلى المراجعة، فلا يمارس طقوس التلذذ الواقعي إلا عبر التخيل، وعبر اصطناع أشباح على طريقة «دون كيخوته» لكي يجد نفسه بطلا، أو حافظا للذاكرة، أو أعراف الأمة، لكنه سيجد نفسه بعدئذ متورطا بتفاؤل ساذج، يعيش التشاؤم بنوع من العدمية التي تدفعه للاختفاء، احتجاجا، أو خوفا، أو هروبا، أو تلذذا بالعزلة، وأن فكرة «المقاومة» لديه تتحول إلى لعبة لتبرير معنى الوجود، بقطع النظر عن خيارات «حبيبي» الأخرى.

التخيل والسخرية والوجع والتردد تكشف عن « هزيمته الداخلية» وعن حزنه الوجودي إزاء ما يجري، وإزاء ما يرتبط بالهزيمة القومية التي جعلت من «شخصية سعيد» غريبة، ومختلة، ومصابة بأعراض الوعي المشطور، لأن ما تركته أحداث حزيران/يونيو 1967 من أثر فادح، ومن جرح تاريخي لم تجعل منه هزيمة حرب عابرة، بل كانت هزيمة أيديولوجية أيضا، وانكسار حلم وخذلان في استعمال مفهوم البطولة التي يعيشها العربي…حيرة «سعيد المتشائل» تكشف عن أزمته، وعن خوائه وهو يسمع المذيع الإسرائيلي ينادي العرب بالاستسلام، وأن ما جرى بدا وكأنه خديعة وجريمة، وربما كان الأقرب إلى الصحو بعد «سكرة تاريخية» طويلة، وأن خيار الاختفاء سيكون شخصيا، وهروبيا، وأن سعيد جعله أقرب إلى التطهير الميثولوجي، فهو يشبه أغلب المثقفين العرب، الذين كانوا يثقون بالتاريخ، وفكرة البطل القومي، وبالأيديولوجيا التي جعلت الوعي مزيفا بحق، كما قال العم كارل ماركس.

سردية السخرية.

أوهام المثقفاستعادة ما حفلت به الرواية من سخرية فاجعة، قد يثير الضحك، والتساؤل عن المخفي من تلك الهزيمة، لكنه سيثير الحزن أيضا جرّاء التشاؤم الذي بدأ يتضخم، والنحس الذي ظل يرتبط بالهزائم والنكبات، بدءا من 1948، وجراء ما تعالق بثيمة «الاختفاء» ذاتها، بوصفها اعترافات تأتي عبر الضمير السردي «الأنا» كاشفا عن أوهامه، ومبررا لاختفائه العجائبي عبر اللجوء إلى حضن الرجل الفضائي، أو عبر التمثيل الواقعي السحري، الذي جعل علاماتها تكتسب بعدا مختلفا، أعطى لسخريتها إيقاعا خرق به المكان والزمان، وحتى التاريخ عبر استدعاء وظائف الحركة/ السفر، وعبر استدعاء ثيمة الجسد الخائن، كاشفا عن النقائض والسخرية من «العقل الأسطوري الإسرائيلي» حيث انكشف على طبيعة الأوهام التي تستغرقه في المكان الشرقي، المكان الذي تنمو فيه الخرافات أكثر من الحقائق، وتتسع فيه حكايات عائلة المتشائل التي ابتدأت سيرتها مع الهروب من حروب تيمورلنك.

السخرية السردية لم تكن بعيدة عن الحدث الحزيراني، ولا من متخيله السردي، الذي جعله «اليهودي المعمداني» جزءا من أسطورته، في قتل «الغير» وفي جعل جريمته الاخلاقية ترتبط بقتل «البطل الناصري» وتحويل السيطرة على «الأراضي المحتلة» إلى عودة إلى ميثولوجية «الأرض الموعودة» كما تقول الخرافة الإسرائيلية، وهذا ما دفع «سعيد المتشائل» إلى توجيه سردية السخرية باتجاه سيميائي، للتمرد على هذه الخرافة، وإلى السخرية من حديث «الراية البيضاء» إلى نوع من المناكفة مع «لغة المذيع الإسرائيلي»، الذي جعل الراية توصيفا للهزيمة، في الوقت الذي جعلها سعيد توصيفا للسواد التاريخي.

اختفاء سعيد بدا وكأنه نهاية مفتوحة، فبعد سلسلة من المحكيات الغرائبية، تكون هذه النهاية هي الموقف الاحتجاجي، لإنهاء مسلسل النحس، وتحويل ذلك الاختفاء إلى موقف نفسي يكشف عن اغتراب الفلسطيني بعد الاحتلال والفقد، وأن الذاكرة لا تملك رصيدا لمواجهة الواقع سوى الهروب منه، أو التحرر منه عبر «لعبة التخيل»، حيث الاحتيال السردي والسخرية، وحيث اصطناع وقائع غامضة، يتقوّض فيها المكان الفلسطيني المحتل، ليحضر المكان السردي الذي تصنعه المخيلة الميثولوجية، حيث تتضخم اللعبة السردية، وحيث تخرج الأحداث من واقعيتها إلى غرائبيتها، وعلى نحوٍ تجعل من حياته عنوانا فاجعا لازمته، فيصفها بأنها « كانت فضلة حمار».

التخيل بالعوالم الفضائية لن تجعله بعيدا عن أمكنته، فهو يذهب إلى الرجل الفضائي في «دياميس عكا»، ثم «الخروج للصيد إلى شاطئ عكا بمعية الرجل الفضائي» بحثا عن «خلاصه الشخصي»، لكنه يظل محاصرا بنحسه من خلال ما يشاهده في «جلسة عجيبة»، حيث أشباح الفلسطينيين، المشردين من المدن في المسجد، مثلما يرى الظلم والقهر الذي يعانيه الأطفال، جراء توحش الاحتلال، حيث يقارن ذلك مع ما كان قد حداث مع الغزاة الصليبيين، وعلى نحو جعل من ثيمة نفي الفلسطينيين خارج أرضهم نظيرا لاختفائه، وهو ما يحدث اليوم في «غزة» وفي «جنوب لبنان»، حيث يمارس الإسرائيلي الجنون والكراهية من عقدة علاقة الفلسطيني بالأرض، وأن لا خيار له سوى النفي، بوصفه الوجه الواقعي القاسي لسردية الاختفاء، التي يمارسها «المثقف» كنوع من الرفض لهزيمته.

ما أعادني إلى وقائع أبي النحس هو، الافراط في لعبة التخيل الإسرائيلي، حيث العنف المتوحش، وحيث النزوع إلى المحو، وحيث عدم التخلص من «العقدة الميثولوجية» ومن عقدة الهوية والعلاقة القاتلة مع الآخر، ومن تحويل الغرابة إلى فنتازيا تقوم على «تقويض الواقع»، وعلى تحميلها بأوهام لا حدود لها، تُفضي بالإسرائيلي إلى وهم الحرب المفتوحة، بوصفها حربا على سرديات الآخر، حيث الذهاب إلى أوهام طريق براهما والشرق الأوسط الجديد، وحيث إعادة صياغة حكاية الهيكل وأشباح المعبد، وترميم «الدياميس/ الأقبية» وأن لا مصير للفلسطيني في هذه الوقائع الّا تحت الأرض، لأن فوقها يعني القتل والتشرد والمحو.

غرائبية هذه الرواية ظلت تستفزني، على مستوى تمثيل النص بوصفه حدسا بمعرفة ما سيأتي، أو على مستوى ما يقترحه، أو ما يثيره من أسئلة، فرغم أن الحدث لم يتخلص من واقعيته، ومن ذاكرته المفجوعة، إلا أنه يضع الغرائبية في سياق وظيفي، يقوم على إيجاد واقعٍ ضدي، له شخصياته، وحكاياته ورواته، وله وعيه المجروح بالاحتلال، والفقد، وبأن الآخر لا يقبله الا بوصفه خارج الهوية القديمة، والمكان القديم، وحتى التخيل القديم، وهذا جعل من حكاية سعيد أبي النحس واقفة بين زمنين فلسطيني وإسرائيلي، أو بين ذاكرتين وسرديتين، لا مصير له سوى أن يواجه نحسه بالتمرد عليه، والانحياز إلى زمنه وذاكرته، بعيدا عن لعبة القناطر الموهومة التي تعني المتاهة أو اللامكان.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك