يُظهر مسار السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط على مدى العقدين والنصف الماضيين أن هذا التحول لم يكن مجرد تغيير تدريجي في الأولويات أو تعديل في أساليب التدخل، بل هو إعادة تعريف عميقة لطبيعة القوة نفسها، وحدودها ووظائفها.
فبين عامي 2003 – لحظة الغزو الأمريكي للعراق – و2026 – في ظل حرب إقليمية مفتوحة امتدت تداعياتها من غزة إلى إيران ومن الخليج إلى شرق المتوسط - يبدو أن الولايات المتحدة قد انتقلت من موقع القوة المهيمنة القادرة على إعادة تشكيل المنطقة بالقوة العسكرية المباشرة، إلى موقع قوة تُدير نفوذها عبر أدوات غير مباشرة، في حين تواجه قيودًا صارمة على قدرتها على اتخاذ إجراءات حاسمة.
ولا يمكن فهم هذا التحول على أنه تراجع بسيط وخطي للقوة الأمريكية، بل – كما يُشير إليه تحليل نقدي لمساره – هو «تراجع انتقائي» يُعيد توزيع أدوات النفوذ دون إلغائها.
لم تنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط بقدر ما أعادت هندسة وجودها فيه: انخفاض ملحوظ في الوجود العسكري المباشر، يقابله وجود مكثف ومستدام في المجالات المؤسسية واللوجستية والاستخباراتية، فضلاً عن شبكات إمداد الأسلحة والتحالفات الأمنية الراسخة.
بين أواخر العقد الأول من الألفية الثانية – حين تجاوز عدد القوات الأمريكية في العراق وأفغانستان مجتمعة 170 ألف جندي – وعام 2024 – حين انخفض هذا الرقم إلى أقل من 8 آلاف جندي في العراق وحده – يمكن ملاحظة هذا التحول الهيكلي؛ وهو تحول لا يعكس انسحاباً كاملاً بقدر ما يعكس إعادة توزيع للوظائف الإمبريالية.
مع ذلك، لم يكن هذا الهيكل الجديد للسلطة خيارًا استراتيجيًا مجردًا بقدر ما كان استجابة لتجربة تاريخية مكلفة، بدأت تحديدًا مع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003.
في ذلك الحدث التأسيسي، لم تكمن المشكلة الأساسية في القدرة العسكرية الأمريكية بحد ذاتها، بل في الافتراض السياسي الذي يحكم نشر تلك القدرة: أي أن إسقاط نظام استبدادي كفيل بتمهيد الطريق تلقائيًا لإعادة بناء دولة حديثة على غرار النماذج الليبرالية الغربية.
لكن ما حدث فعليًا كان عكس ذلك تمامًا.
فقد أدى تفكيك مؤسسات الدولة العراقية، بما فيها الجيش والأجهزة الأمنية والإدارة البيروقراطية، إلى فراغ مؤسسي هائل، سرعان ما تحول إلى ساحة صراع مفتوحة تضم قوى داخلية وخارجية.
بحلول نهاية العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، بدأت تتشكل ملامح نظام إقليمي جديد قوامه: قوة أمريكية ذات حضور عسكري منكمش، واعتماد متزايد على الشركاء.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك