عاد الجدل ليثار حول حصيلة الحكومة المغربية على مستوى مناصب الشغل، بعد توقع رئاسة الحكومة إحداث أكثر من مليون منصب شغل بحلول نهاية عام 2026.
وفي هذا الإطار يواجه رئيس الحكومة المغربية، عزيز أخنوش، انتقادات حول خطته الطموحة ولا سيّما مع اقتراب حكومته من نهاية ولايتها.
وبدا لافتاً إعلان رئاسة الحكومة، مؤخراً، أن وضعية سوق الشغل عرفت تحسناً ملموساً استناداً إلى معطيات تُفيد بأنّ الاقتصاد الوطني أحدث نحو 850 ألف منصب في القطاعات غير الفلاحية بمعدل سنوي يناهز 170 ألف منصب خلال الفترة 2021-2025.
وقالت رئاسة الحكومة، في بيان صدر عقب اجتماع برئاسة أخنوش خُصص لتتبع" خريطة طريق قطاع التشغيل"، إنه في حال استمرار الدينامية المسجلة في سنة 2025، والتي شهدت خلق 233 ألف منصب شغل، فمن المنتظر إحداث أكثر من مليون منصب شغل بحلول نهاية عام 2026، وذلك بغض النظر عن المناصب التي فُقدت في القطاع الفلاحي جراء الجفاف.
حسب البيان الحكومي، شهدت الأنشطة الفلاحية انتعاشاً خلال الموسم الحالي، الذي عرف خلق 365 مليون يوم عمل، بارتفاع قدره 7% مقارنة بالموسم السابق.
وفي المقابل، حقّق القطاع السياحي نتائج تجاوزت توقعات سنة 2026 بإحداثه لـ 92 ألف منصب شغل بدلاً من 80 ألفاً.
وبالنسبة لنظام الدعم الخاص بالمقاولات الصغرى والمتوسطة، جرى إيداع 170 طلب مشروع، جرت الموافقة على 21 منها باستثمارات قيمتها 312 مليون درهم.
وإن كانت هذه المؤشرات تعكس مساراً تصاعدياً، إلّا أن الحديث عن بلوغ عتبة المليون منصب يثير تساؤلات حادة في ظل سياق وطني تجاوز فيه معدل البطالة حاجز 13%، وهي نسبة لم يبلغها المغرب منذ ربع قرن، وسط تحديات اقتصادية داخلية وخارجية معقدة.
وكان رئيس الحكومة قد تعهد بـ" إحداث مليون منصب شغل صافٍ على الأقل" خلال الولاية الحكومية (2021 – 2026)، ضمن الالتزامات العشر للبرنامج الحكومي المقدم في أكتوبر/ تشرين الأول 2021، وهو الالتزام الذي ظل طيلة السنوات الماضية موضع شك كبير من الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين.
" أرقام للتسويق أم للتخطيط؟ "حسب القيادي في المنظمة الديمقراطية للشغل (اتحاد عمالي) محمد النحيلي، فإنّ هدف إحداث أكثر من مليون منصب شغل في أفق سنة 2026 يقدم كأحد أبرز رهانات الحكومة التي يقودها أخنوش.
غير أنّ هذا الهدف، بدل أن يُستقبل فقط كطموح اقتصادي مشروع، يفرض قراءة نقدية صارمة، لأنّ الأرقام حين تُرفع إلى هذا المستوى من الطموح، تتحول من مجرد مؤشرات إلى التزامات سياسية وأخلاقية.
ويقول النحيلي في تصريح لـ" العربي الجديد": " صحيح أنّ سنة 2025 شهدت إحداث 233 ألف منصب شغل، وهو رقم إيجابي، لكن تحويله إلى قاعدة للتوقع يفترض ضمنياً أنّ الظروف ستبقى على حالها، وهو افتراض بعيد عن الواقع.
فاقتصاد هش أمام التقلبات المناخية والضغوط الدولية لا يمكنه أن يبني رهاناته على استمرارية ظرفية.
هنا يبدأ السؤال الحقيقي: هل نحن أمام تخطيط مبني على معطيات صلبة، أم أمام تعميم مريح لنتيجة استثنائية؟ ".
ويرى المسؤول النقابي أنّ" الأكثر إثارة للانتباه ليس الرقم في حد ذاته، بل الطريقة التي يُقدَّم بها.
فاستبعاد المناصب المفقودة في القطاع الفلاحي بسبب الجفاف ليس مجرد تفصيل تقني، بل اختيار يحمل دلالة واضحة: التركيز على ما يخدم السردية الإيجابية، وتحييد ما قد يربكها"، مشيراً إلى أن ذلك" يطرح إشكالاً عميقاً: هل الهدف هو فهم الواقع كما هو، أم تسويقه كما نريده أن يُرى؟ ".
ويرى أنه" لا يمكن فصل الخطاب الاقتصادي عن حساباته السياسية، فالتشغيل في بلد ترتفع فيه انتظارات الشباب، ليس ملفاً تقنياً فحسب، بل هو رهان انتخابيّ بامتياز.
وكلما كانت الأرقام أكبر، كانت قدرتها على التأثير في الرأي العام أقوى.
لكن الخطورة تكمن حين تتحول الأرقام من أداة للقياس إلى أداة للإقناع، ومن وسيلة للتشخيص إلى وسيلة لصناعة الانطباع.
في سياق متصل، كشف تقرير للبنك الدولي صدر في شهر إبريل/ نيسان 2026 أن سوق الشغل المغربي لا يزال يعاني من اختلالات هيكلية عميقة، إذ لم يتمكّن النمو (الذي بلغ 4.
7% في 2025) من خلق فرص شغل كافية لاستيعاب البطالة التي استقرت عند 13%، كما أشار التقرير إلى ضعف نسبة المشاركة في سوق العمل (43.
5%)، وانخفاض مشاركة النساء (19%)، وهي من أدنى المعدلات عالمياً.
وسجل التقرير فقدان نحو 10 آلاف منصب في الوسط القروي نتيجة التغيّرات المناخية، ما أدى إلى انتقال يد عاملة لم تندمج فعلياً في قطاعات بديلة.
وتراهن الحكومة المغربية حالياً على برامج مثل" إدماج" و" تحفيز" و" تدرج" لفتح آفاق أمام الشباب غير الحاصلين على شهادات، بهدف إدماج 100 ألف متدرب سنوياً.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك