تتعثر بنوك الاستثمار الأوروبية في الحفاظ على حصتها السوقية، في وقت تتقدم فيه نظيراتها في وول ستريت بقوة، مدفوعة بتغييرات تنظيمية ووفرة رؤوس الأموال التي تعزز قدرتها التنافسية.
وأظهرت نتائج الربع الأول لكل من بنك" بي إن بي باريبا" و" دويتشه بنك" وبنوك أوروبية كبرى أخرى، الأسبوع الماضي، صورة متباينة لأنشطة التداول والاستشارات لديها، إذ سجّل العديد منها تراجعاً في الإيرادات أو زيادات طفيفة جداً.
في المقابل، حققت البنوك الأميركية العملاقة، بما في ذلك" جيه بي مورغان" و" مورغان ستانلي"، مبيعات قياسية، مستفيدة من تقلبات الأسواق الناجمة عن الحرب مع إيران.
ورغم أن الأرقام الفصلية قد تكون متقلبة، وأن البنك السويسري يو بي إس تفوق على نظرائه الأوروبيين بتحقيقه أفضل ثلاثة أشهر على الإطلاق لمتداوليه، فإن النتائج الضعيفة عموماً تسلط الضوء على شدة المنافسة في قطاع الخدمات المصرفية الاستثمارية، في ظل بيئة تميل بشكل متزايد لصالح وول ستريت.
واستحوذت البنوك الاستثمارية الأميركية تدريجياً على حصة سوقية من نظيراتها الأوروبية منذ الأزمة المالية العالمية 2008 - 2009، مدعومة في البداية بإعادة هيكلة أسرع لميزانياتها العمومية، ومنذ ذلك الحين بأسواق رأسمال محلية أعمق وأكثر ربحية تمكّنها من دعم أعمالها في الخارج.
واتجهت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى تخفيف القيود التنظيمية على البنوك الأميركية.
وقد تؤدي التعديلات المقترحة على قواعد" بازل ثلاثة" ورسوم" البنوك ذات الأهمية النظامية العالمية" إلى خفض مستويات رأس المال لدى بنوك وول ستريت بنحو 4.
8%.
ويُعد هذا القرار انتصاراً لقطاع البنوك الأميركي، الذي ضغط بقوة لتخفيف خطة كانت تقترح زيادة بنحو 20%.
وفي السياق، قال الرئيس التنفيذي لـ" بنك باركليز"، سي إس فينكاتاكريشنان، إن اتساع الفجوة بين أوروبا والولايات المتحدة سيزيد من حدة المنافسة، مشيراً إلى أن تخفيف القيود يمنح البنوك الأميركية ميزة تنافسية.
كما انسحبت بنوك أوروبية مثل سوسيتيه جنرال وباركليز من أسواق رئيسية.
ولا يقتصر فقدان الحصة السوقية على التداول في الأسهم والسندات، إذ تراجعت حصة أوروبا من رسوم الخدمات المصرفية الاستثمارية العالمية، مثل عمليات الاندماج والاستحواذ وجمع رأس المال، إلى 21% العام الماضي، مقارنة بـ29% في عام 2015، في حين ارتفعت حصة البنوك الأميركية إلى 51% من 46%، وفق بيانات" إل إس إي جي".
وتراجعت الحصة الأوروبية أكثر إلى 20% في الربع الأول من هذا العام، وهو أدنى مستوى منذ بدء تسجيل البيانات في عام 2000، بينما ارتفعت الحصة الأميركية إلى 54%.
كما فقدت البنوك عالمياً جزءاً من أعمالها لصالح شركات صناعة السوق مثل" سيتادل سيكيوريتيز" و" إكس تي إكس" في تداول الأسهم والعملات الأجنبية.
وسجّل بنك" بي إن بي باريبا" تراجعاً بنسبة 0.
8% في إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية، بينما انخفضت الإيرادات في هذا القطاع لدى بنك سوسيتيه جنرال بنسبة 4.
5%، متأثرة بتراجع حاد بنسبة 18% في تداول الدخل الثابت.
وأرجع الرئيس التنفيذي لسوسيتيه جنرال، سلاوومير كروبا، هذه النتائج إلى ضعف نشاط العملاء وتقلب أسعار الفائدة قصيرة الأجل، مشيراً إلى أن محدودية التنويع جعلت البنك أكثر عرضة للمخاطر مقارنة بنظرائه الأميركيين.
أما في دويتشه بنك، فظلت الإيرادات مستقرة، مع تراجع نشاط إصدار أدوات أسواق رأس المال في مارس قبل أن يبدأ بالتعافي في إبريل، فيما بقي تداول أسعار الفائدة ضعيفاً نسبياً.
وتراجعت الحصة السوقية للبنوك الأوروبية في أسواق رأس المال إلى نحو 32% في عام 2025، مقارنة بـ41% في عام 2012، وفق مؤسسة أوليفر وايمان.
في المقابل، حافظت حصتها من إيرادات التداول على استقرار نسبي عند نحو 31% من إجمالي إيرادات البنوك الأميركية والأوروبية مجتمعة خلال الفترة من 2021 إلى 2025، بحسب بيانات كوالشن غرينيتش.
ورغم ذلك، يتوقع محللون نمو إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية الأوروبية هذا العام، مدعومة بتقلبات الأسواق وزيادة إبرام الصفقات، رغم استمرار فقدان الحصة السوقية لصالح البنوك الأميركية، كما رفع دويتشه بنك توقعاته لإيرادات هذا القطاع في عام 2026.
وبرز بنك" يو بي إس" بشكل لافت بعد ارتفاع إيراداته من الخدمات المصرفية الاستثمارية بنسبة 27% على أساس سنوي، مدعومًا بأداء قوي في أنشطة التداول، حيث أشار المدير المالي تود تاكنر إلى اعتماد البنك نهجاً" خفيف رأس المال".
في المقابل، تعتمد البنوك الأوروبية بشكل أكبر على أنشطة الدخل الثابت والتمويل كثيف رأس المال، وهو ما يمنح البنوك الأميركية، التي باتت تتمتع بمرونة أكبر في رأس المال، أفضلية تنافسية واضحة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك