كان ذلك في صيف عام 1906، عندما اعتصم الآف الإيرانيين في حدائق السفارة البريطانية بطهران هربا من بطش شرطة الشاه.
لم يكونوا يحملون سلاحاً، بل كانت معهم نسخ من القرآن، ووثائق تُرجمت للفارسية، ومطبوعات تطالب بـ«بيت العدل».
كانوا يتعلمون كلمات لم تكن في قاموسهم من قبل: دستور.
برلمان.
انتخاب.
حدود لسلطة الملك.
كيف نشأت الثورة الدستورية؟لم تكن الثورة وليدة لحظة غضب عابرة، بل نتاج عقود من فساد سلالة «القاجار»، وتبعية الشاه ناصر الدين للأجانب، الذي باع البلاد.
امتيازات النفط والتبغ والجمارك كلها ذهبت إلى الأجانب.
في عام 1891، وصل الأمر ذروة السخرية: منح الشاه شركة بريطانية حق احتكار تجارة التبغ في إيران.
عندها، صدرت فتوى من المرجع الشيعي الكبير ميرزا محمد حسن الشيرازي في النجف: «بسم الله الرحمن الرحيم، اليوم استعمال تنباكو حرام».
جملة واحدة قصيرة، لكنها أوقفت الأمة.
امتنع الناس عن شرب الدخان، الباعة أغلقوا محلاتهم.
كان أول انتصار شعبي على شاه وإمبراطورية أجنبية، وهو درس ظل محفوراً في الذاكرة الوطنية الإيرانية.
ومع تولي «مظفر الدين شاه» المريض، رُهنت الجمارك للبنوك الروسية، وانفجر الغضب الشعبي إثر إهانة تجار طهران (واقعة الفلقة).
وتحت ضغط الإضراب العام واللجوء الجماعي، استسلم الشاه المريض.
وفي 5 أغسطس 1906، أصدر مرسوماً بتشكيل أول مجلس شورى وطني.
انعقد المجلس، وصاغ أول دستور إيراني.
وفي 30 ديسمبر 1906، وقع مظفر الدين شاه الدستور وهو على فراش الموت.
الهجوم المضاد والتدخل الروسيخلفه ابنه محمد علي شاه، المعادي للدستور، الذي رأى أن البرلمان انتزع سلطاته، وتجرأ على مناقشة ميزانيته الخاصة وحسابات أسرته.
وبعد عام من التوتر والصراع الخفي، ضرب محمد علي شاه ضربته.
ففي يونيو 1908، وبقيادة ضباط روس، هاجمت القوات الملكية مبنى البرلمان.
قصفت المدافع الروسية المبنى، واعتقل العديد من النواب، وأُعدم عدد منهم.
أعلن الشاه إلغاء الدستور، وبدأت فترة عُرفت بـ«الاستبداد الصغير».
لكن الثوار لم يستسلموا.
في تبريز، شمال غرب إيران، قاد ستار خان وباقر خان مقاومة أسطورية.
تحولت تبريز إلى قلعة دستورية، حوصرت لأحد عشر شهراً، وتعرضت لقصف روسي مباشر، لكنها لم تستسلم.
انضمت مدن أخرى لها.
في يوليو 1909، زحفت القوات الدستورية من رشت وأصفهان إلى طهران، وخلعت محمد علي شاه، وأعادت العمل بالدستور.
بدا أن الثورة انتصرت، ولكن الانتصار كان مؤقتاً.
حاولت الحكومة الإيرانية الجديدة تنظيم أمورها المالية عبر الخبير الأمريكي مورجان شوستر، الذي مُنح صلاحيات واسعة لإصلاح نظام الجباية والضرائب، ما اعتبرته روسيا تهديداً لنفوذها.
أرسلت روسيا إنذاراً بطرده، وهددت بالتدخل العسكري.
وعندما جاء الإنذار الروسي بطرد شوستر، لم تكتف بريطانيا بالصمت، بل شجعت الحكومة الإيرانية على الاستسلام، مدركة أن تقطيع أوصال إيران بين قطبين يضمن مصالحها أفضل من دستور حقيقي.
في ديسمبر 1911، أنزلت روسيا قواتها في ميناء أنزلي على بحر قزوين، وتوجهت القوات الروسية إلى طهران.
في 24 ديسمبر 1911، قصفت المدافع الروسية مبنى البرلمان الإيراني للمرة الثانية.
وتحت وطأة الاحتلال العسكري، لم يكن أمام الحكومة الإيرانية خيار.
حُل البرلمان، وأُغلق المبنى، ونُفي العديد من النشطاء الدستوريين.
كان ذلك إعداماً سريرياً للثورة الدستورية.
عادت إيران إلى الحكم المطلق، لكن هذه المرة تحت حماية مباشرة من القوات الروسية والبريطانية.
الحلم الذي بدأ عام 1906 في حديقة السفارة البريطانية، انتهى عام 1911 على وقع المدافع الروسية.
بعد ست سنوات فقط، في 1917، اندلعت ثورة شعبية في بتروغراد (سانت بطرسبرغ)، عاصمة روسيا القيصرية.
الجياع والعمال والجنود نزلوا إلى الشوارع.
تنازل القيصر عن العرش.
انتهت سلالة الرومانوف.
هنا تكمن سخرية القدر: روسيا القيصرية، التي أرسلت جيوشها عام 1911 لقمع الثورة الدستورية في إيران، لم تجد جيشاً يدافع عنها عام 1917.
الضباط الروس الذين دربوا قوات الشاه الإيراني على قمع الدستوريين، فروا أو أُعدموا.
المدافع التي قصفت البرلمان الإيراني، استخدمها البلاشفة لاحقاً لقصف قصر الشتاء.
عام 1911، ماتت الثورة الدستورية الإيرانية على يد روسيا القيصرية.
وفي 1917، ماتت القيصرية نفسها.
أما الحرية، فظلت تبحث عن موطن جديد.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك