في لحظة يغلب عليها الحزن والتأمل، أعادت وفاة الشاعر سيد العديسي إحياء واحدة من أكثر نصوصه إثارة للتساؤل، وهي قصيدة «لم يضيع فرصة في حياته»، التي نشرها قبل رحيله بأيام وبدت لكثيرين وكأنها مرثية كتبها لنفسه قبل الرحيل.
القصيدة، التي تتناول مشهد جنازة بطلها، لا تكتفي بوصف الموت كنهاية، بل تحوله إلى لحظة استعادة كاملة للحياة، حيث يمر النعش أمام محطات الذاكرة والعلاقات القديمة، في استدعاء مكثف لما عاشه الإنسان من فرص وتجارب.
أن يكون بيتكم في آخر النجعيمكن لنعشك المرور أمام بيوت كل البنات اللاتي عرفتهنواللاتي سهرت من أجلهن ليالي طويلة تفصل الخطط والخطابات.
لا تنشغل إذا ما شعر من يحملونك بالثقلولا تغضب إذا ما أنزلوك في الطريقسيبدأ جسمك في الثقل مرة أخرىولأنك لم تكن لتفوت أي فرصة في حياتكسينزلونك ما يزيد عن العشرين مرةلن ينسوا سب من أخرجهم من بيوتهم في مثل هذه الساعةبالرغم من أن الرحمة تجوز لك.
النص يقدم بطله كإنسان «لم يضيع فرصة في حياته»، حتى في لحظة موته، إذ يتخيل أن تتحول جنازته إلى جولة أخيرة بين ذكرياته، وبين السخرية السوداء والحنين، تتشكل مفارقة لافتة: الموت هنا ليس نهاية صامتة، بل لحظة صاخبة بالاسترجاع والندم وربما السخرية من الذات.
إعادة تداول النص عقب رحيله فتحت باب التأويل على مصراعيه: هل كان سيد العديسي يكتب نفسه؟ أم كان يرصد نموذجًا إنسانيًا عامًا يرى في الموت فرصة أخيرة لمراجعة ما فات؟ ، وفي كل الأحوال، تبقى القصيدة شاهدًا على صوت شعري خاص، استطاع أن يحول لحظة الرحيل إلى سؤال مفتوح: ماذا يتبقى من الإنسان.
بعد أن تمر جنازته من أمام كل ما عاشه؟وكان قد توفي الشاعر والكاتب الصحفي سيد العديسي، أول أمس، بعد مسيرة جمع فيها بين الصحافة والكتابة الشعرية، وترك خلالها حضورًا خاصًا لدى قراء قصيدة العامية والنثر، خاصة عبر نصه الأشهر «كيف حالك جدًا»، وتم تشييع جثمانه إلى مثواه الأخير بمقابر عائلته في مسقط رأسه بالأقصر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك