أثار الكاتب إبراهيم داود تفاعلًا واسعًا بعد منشور له على «فيسبوك» تناول فيه موجة رحيل عدد من الشعراء والأدباء خلال الفترة الأخيرة، مستعرضًا علاقاته الشخصية والإنسانية بهم.
وتطرق إلى رحيل الشاعر عباس منصور وآخرين، إضافة إلى الشاعر الفلسطيني عبد الناصر صالح، متوقفًا عند ما قدموه من إسهامات أدبية وتجارب إبداعية مؤثرة في المشهد الثقافي.
وجاء منشور «داود» كالتالي:منذ مطلع هذا العام لم يتوقف الموت عن خطف الشعراء، ولسوء حظي الشخصي أن معظمهم من أصدقائي، توقفت عن النعي على صفحات التواصل الاجتماعي، توقفت عن الحديث عنهم مع أحد، لم تعد لديّ رغبة في الحديث أصلاً، فقط أبحث عن أعمالهم لأشم رائحتهم ورائحة الأيام التي جمعتني بهم.
مات عباس منصور صديقي التاريخي منذ شهر تقريباً، هو من أقدم أصدقائي في الحياة الثقافية، لم نلتقِ في القاهرة إلا قليلاً، لأنه كان يعيش في سندبسط مركز زفتى.
في مطلع الثمانينيات من القرن الماضي كنا ننزل ضيوفاً على تكية الشيخ منصور عامر، والده، التي خصصها للمجاذيب، ووفر لهم فيها كل سبل الراحة.
كنا في البدايات، نتلعثم، ونبحث عن أصواتنا في مناخ روحي لا أعتقد أنه موجود في ثقافة أخرى، المكان كان محاطاً بالبيارق والذكر والسكينة، كنا كثاراً، قليلون منّا من واصل الكتابة والرسم، مثل كامل العزب وسامي البلشي وعبد الستار البلشي.
ورث عباس عن والده خصال الدراويش العظام، سفره الطويل في الكويت باعد بيننا، ولكنه لم يبخل علينا بمودته.
في السنوات الأخيرة كتب شعراً عظيماً نشرت مجلة «إبداع» معظمه، وراح يحفر في كتاباته السردية في طبقات الوجدان، ليعلي من شأن الهوية المصرية في مواجهة البداوة، كتابات تستند إلى مصادر تاريخية مهجورة، مغلفة بثقافة رفيعة، كان يحذر من تآكل فكرة الانتماء التي أسهمت في انسجام المجتمع طوال التاريخ، لم أتخيل أنه سيرحل بهذه البساطة، عدت لآخر قصيدة أرسلها لي، لأكتشف أنه كان يودع الدنيا، يقول في «الكامل في التشظي»:وهذى الحياة ملاذ العابرينتلك المعارج يغشاها العارفونرحل على سبيل المثال في الأسابيع الأخيرة محمد سليمان وأحمد عنتر مصطفى وأشرف البولاقي ومحمد أبو العزايم، والفلسطيني عبد الناصر صالح الذي سأفتقد طعم البن الذي كان يجلبه لي كل عام من فلسطين الحبيبة.
لكل واحد منهم منزلة في الشعر والحياة، إلى أن جاء رحيل السيد العديسي الذي بمجرد سماع خبر رحيله شعرت بالبرد فجأة رغم حرارة الجو، لم يكن شخصاً عابراً بالنسبة لي، كان أحد شعرائي المفضلين، لأنه كان يذهب إلى القصيدة من أقصر طريق، لم يستعر لغة غيره، ولم يشغل نفسه بالمجد الذي أفسد مواهب اهتمت به أكثر من الشعر.
شعره صديق عزيز يهمس، يأخذك إلى منابع الفطرة النقية.
كان يمر عليّ في المقهى بين الحين والآخر ليطمئن عليّ ويمضي، هو دائماً متأخر عن موعد ما، ابتسامته الطفولية الرائقة تشير إلى نبع صافٍ في روحه.
لسنوات طويلة كنت ألتقي شقيقه الصديق إيهاب الذي يحمل الكثير من طباع السيد، فأعامله على أنه السيد، فيصحح لي، لم أكن مخطئاً، ولكن كانت تعجبني المفارقة.
نشرت له «إبداع» معظم قصائده الأخيرة أيضاً، ومن القليلين الذين كنت أهاتفهم عندما أقرأ له قصيدة.
بمجرد سماع خبر رحيله تذكرت مقولة نيتشه «النوابغ يموتون في شبابهم، لأنهم طيبون أكثر مما تستطيع الأرض تحمُّلَه».
في الشهور الأخيرة عمل على مشروع مهم في جريدة «الوطن» عن القوة الناعمة في مصر، وكنت أحد المحظوظين الذين تحاور معهم، التقينا أكثر من مرة وتناقشنا كثيراً، وخرج الموضوع على أفضل ما يكون، وأطلعني على مسلسل كان يعمل عليه يحمل اسم «باب جهنم» يظهر الصعيد الآخر، الذي تم اختزاله في تيمات متكررة.
عمل لا أعرف إن كان أتمّه أم لا؟شاعر موهوب، صحفي موهوب، ناثر موهوب، يموت فجأة، لم أكن أعرف أنه يعاني من أي مرض، ولكن شِعره كان، رغم البهجة التي تغمرك وأنت تقرأه، يشير إلى فقد كبير.
فقدان شخص عزيز نقي وطيب مثل السيد العديسي هو خسارة للبشرية كلها وليس للذين عرفوه فقط، يقول في قصيدته «يُلوّحُ بيدِه لمُشيِّعيه»:ويُلصقونَ بكَ مواقفَ متفرقةً للبطولةِلم يسمعْ عنها أحدٌ من قبلْومن كلِ أعماقِهم سيتمنَوْنَكَ بينهُمستضبطُ روحَك مُتلبِّسا بالحزنِ من أجلِهموستندمُ على شربِك كلَّ هذه الكميةِأن تتمنى لو أن وجودَ الحبوبِ-«لم يُضيِّع فرصةً فى حياتِه»أن يكونَ بيتُكم فى آخرِ النجعِالآنَ فقط ستُدركُ قيمتَهايمكنُ لنعشِكَ المرورَ أمامَ بيوتِ كلِ البناتِ اللاتى عرفتَهُنَّواللاتي سهرت من أجلِهِنَّ ليالىَ طويلةً تُفصِّلُ الخططَ والخطابات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك