لم تعد أزمة اختفاء الفئات النقدية الصغيرة، التي يُطلق عليها في مصر" الفكة"، مجرد إشكالية يومية عابرة بين راكب وسائق أو بائع ومشترٍ، بل تحولت إلى مرآة تعكس تحولات أعمق في بنية اقتصاد يعاني من تضخم.
ويكشف نقص العملات الصغيرة عن تآكل تدريجي في القوة الشرائية للجنيه، وتغير جذري في أنماط التعامل النقدي بين المواطنين خلال العقد الأخير.
يروي السائق عمرو سمير، لـ" العربي الجديد"، كيف تظهر الأزمة بوضوح في وسائل النقل، مثل سيارة النقل الجماعي التي يقودها بين حي الأهرامات بمدينة الجيزة وميدان التحرير وسط العاصمة.
ويؤكد أن المشكلة تخطت نطاق عمله لتصبح ظاهرة في معاملات ركاب مترو الأنفاق، الذي ينقل نحو 3 ملايين شخص يومياً، حيث أصبحت الفئات الصغيرة نادرة.
ويشير سمير إلى حدوث احتكاكات يومية بين المواطنين، طلباً لباقي قيمة التوصيلة المحددة رسمياً بالجنيه، والتي تتراوح بين 12 و19 جنيهاً، حيث تصبح مهمة السائق أو المحصل تدبير" الفكة" للركاب، أو ترك مهمة التحصيل لهم ليتولوا حل المشكلة إما بالتراضي أو عبر خلافات متكررة.
ويشير إلى أنه رغم ارتفاع أسعار الخدمات إلى مستويات غير مسبوقة، ووصول رسوم الركوب إلى فئات نقدية تقترب من فئات مجمدة مثل 10 جنيهات ومضاعفاتها الورقية، لم يعد الخلاف على" الباقي الفكة" مجرد تفصيلة، بل تحول إلى ظاهرة يومية تعكس ضغوط المعيشة وتغير قيمة النقود نفسها.
ودفعت هذه الاحتكاكات، التي وصلت أحياناً إلى العنف، وأثارت إزعاجاً للسلطات الأمنية، بالملف إلى مجلس الشيوخ، حيث طالب نواب الحكومة بزيادة ضخ العملات المعدنية في الأسواق، في محاولة لاحتواء أزمة باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين، خصوصاً في القطاعات الأكثر اعتماداً على النقد، مثل النقل ومنافذ البيع بالتجزئة.
وفي بيان رسمي، أعلنت الحكومة أنها تضخ نحو 18 مليار جنيه سنوياً من" الفكة"، تشمل الجنيه المعدني والورقي والفئات الأكبر، مع العمل على زيادة الإنتاج وتحديث العملات المعدنية، إلى جانب خطط لطرح فئة جديدة بقيمة 2 جنيه، لتحسين كفاءة التداول.
والمفارقة أن هذه الأزمة تتزامن مع ارتفاع السيولة المحلية داخل الجهاز المصرفي، التي قدرها البنك المركزي حتى نهاية فبراير/ شباط 2026 بنحو 14.
29 تريليون جنيه، منها نحو 1.
49 تريليون جنيه نقد متداول خارج البنوك.
كما يتجاوز المعروض النقدي الضيق 4 تريليونات جنيه، فيما تُحفظ بقية الأموال كأشباه نقود في ودائع لأجل وشهادات ادخار، ما يعكس أن الاقتصاد لا يعاني نقصاً في النقد، بل خللاً في توزيعه وهيكله.
ففي الوقت الذي تتوافر فيه الأموال بكثافة داخل البنوك، تختفي الفئات الصغيرة من التداول اليومي، نتيجة تراجع قيمتها الفعلية، وعدم ملاءمتها مستويات الأسعار الجديدة، ما يدفع السوق عملياً إلى التعامل بفئات أكبر.
ويشير الباحث الاقتصادي، إلهامي الميرغني، إلى أنه لفهم جذور أزمة" الفكة" لا بد من العودة إلى مسار الجنيه خلال العقد الماضي، الذي شهد تحولات حادة منذ قرار تحرير سعر الصرف في نوفمبر/تشرين الثاني 2016، حين قفز سعر الدولار من نحو 8.
8 جنيهات إلى أكثر من 15 جنيهاً خلال أيام، ما أدى إلى فقدان الجنيه نحو نصف قيمته.
وتبع ذلك تدهور آخر في 2018، حين استقر الدولار عند 18 جنيهاً.
وفي عام 2022، ومع صدمات الحرب الروسية - الأوكرانية، تجاوز الدولار 19 ثم 24 جنيهاً، قبل أن يتخطى حاجز 30 جنيهاً في يناير/كانون الثاني 2023.
وفي مارس/آذار 2024، شهدت العملة أكبر خفض في تاريخها الحديث، مقتربة من 50 جنيهاً للدولار.
وخلال 2025 وأوائل 2026، تراوح الدولار بين 46 و55 جنيهاً، قبل أن يعاود الاقتراب من 53 جنيهاً، متأثراً بالحرب الإسرائيلية - الأميركية على إيران.
ويؤكد الميرغني أنه خلال هذه السنوات، فقد الجنيه أكثر من 90% من قيمته الشرائية مقارنة بما قبل التعويم، وهو تحول أعاد تشكيل هيكل الأسعار بالكامل وأضعف القدرة الشرائية للفئات النقدية الصغيرة.
وانعكس ذلك بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية، إذ تغيرت قيمة النقود بشكل جذري؛ ففي ثمانينيات القرن الماضي، لم تتجاوز تذكرة مترو الأنفاق 10 قروش (البريزة)، أي عشر الجنيه الذي ما زال رسمياً يحتوي على 100 قرش، بينما تصل اليوم إلى نحو 20 جنيهاً، في قفزة لا تعكس فقط زيادة التكلفة، بل تراجع قيمة العملة نفسها.
ومع هذه التحولات، لم تعد فئات مثل ربع الجنيه (25 قرشاً) ونصف الجنيه (50 قرشاً) ذات قيمة تُذكر في كثير من المعاملات، بل تراجع دور الجنيه نفسه ليصبح غير كافٍ لتغطية معاملات بسيطة، ما يفسر اختفاء هذه الفئات تدريجياً من التداول.
ويرى محللون أن أزمة" الفكة" ليست مشكلة في حد ذاتها، بل هي عرض لخلل اقتصادي أوسع يتمثل في تآكل القوة الشرائية وارتفاع مستويات الأسعار.
ومع ارتفاع تكاليف المعيشة، تتراجع الحاجة إلى الفئات الصغيرة، بينما ترتفع أهمية الفئات الأكبر، ما يخلق فجوة بين هيكل النقود المتداول واحتياجات السوق الفعلية.
كما تمثل تكلفة إنتاج العملات المعدنية، تحدياً إضافياً يدفع الحكومة إلى إعادة النظر في تركيبة العملات نفسها.
ويؤكد اقتصاديون أن" الفكة" لم تعد مجرد عملات صغيرة، بل أصبحت مؤشراً اقتصادياً يعكس تحولات أعمق في الاقتصاد المصري، وأن اختفاءها من التداول اليومي لا يعكس فقط نقصاً في المعروض، بل يعبر عن مرحلة جديدة يُعاد فيها تشكيل قيمة النقود نفسها.
ويدعون الحكومة، التي تحاول احتواء الأزمة عبر ضخ مزيد من العملات وتحديثها، إلى العمل على استعادة التوازن بين قيمة العملة ومستويات الأسعار، وهي المعادلة التي ستحدد مستقبل التعاملات النقدية في مصر خلال السنوات المقبلة.
وفي هذا السياق، أعلنت مصلحة الخزانة العامة وسك العملة، الأسبوع الماضي، خطة لتحديث العملات المعدنية، تشمل تحسين مواصفاتها الفنية واستخدام خامات أقل تكلفة، إلى جانب طرح فئة جديدة بقيمة 2 جنيه من المعدن.
ووفقاً لبيان وزارة المالية، تهدف هذه الخطوة إلى تقليل الاعتماد على الفئات الصغيرة، وتحسين كفاءة التداول، وضمان توافر" الفكة" في الأسواق، خاصة في المناطق ذات الكثافة المرتفعة.
في المقابل، تكشف أسواق العملات القديمة عن مفارقة لافتة، ففي الوقت الذي تفقد فيه العملات الحديثة قيمتها سريعاً، تُباع بعض العملات التاريخية بعشرات الآلاف من الجنيهات، إذ يصل سعر بعض العملات النادرة، مثل" ريال" السلطان فؤاد الصادر عام 1914 (الذي يعادل 20 قرشاً)، أو الجنيه الورقي القديم، إلى مئات الآلاف، فيما تُباع عملات أقل ندرة مثل" البريزة" الورقية بعشرات الآلاف في بعض الحالات.
وتشهد سوق العملات القديمة في مصر نشاطاً متزايداً مع اتساع دائرة الهواة والمضاربين، فيما تكشف الأسعار المتداولة عن فجوات كبيرة بين العملات الشائعة والنادرة.
وتتركز حركة البيع والشراء في مناطق رئيسية بالقاهرة، أبرزها وسط العاصمة في شارعي عماد الدين والألفي وخان الخليلي، بينما تنشط في الإسكندرية في مناطق العطارين والمنشية ومحطة الرمل.
وفي جولة لـ" العربي الجديد" بسوق عماد الدين، رُصد بيع الجنيه الورقي المرسوم عليه جملان، والصادر عن البنك الأهلي الذي كان يؤدي دور البنك المركزي المصري حتى منتصف القرن الماضي، بسعر بلغ 100 ألف جنيه.
كما تراوح سعر الشلن الورقي (5 قروش) بين 5 آلاف و30 ألف جنيه للإصدارات المطبوعة قبل عام 1950، وينخفض إلى نحو 50 جنيهاً للإصدارات الأحدث.
وسجل" المليم"، وهو الوحدة الأولية للجنيه (1000 مليم)، أسعاراً تراوحت بين 30 و40 جنيهاً، بينما بلغ سعر قطعة الخمسة مليمات الفضية نحو 20 ألف جنيه.
ويقول بائع العملات والتحف" محمد" لـ" العربي الجديد" إن بعض العملات تُباع بأضعاف قيمتها وفقاً لجودة الحفظ وخلوها من التآكل والخدوش، فضلاً عن المناسبة التي صدرت فيها، إضافة إلى تأثير المزادات، والطلب على الأصول التاريخية النادرة، التي تُعد شكلاً من أشكال الاستثمار البديل.
وبينما ينشط بيع" الفكة" في سوق التحف والعملات القديمة، تبقى أزمة تداولها في الحياة اليومية معبّرة عن فجوة بين الحلول الفنية، التي تركز على زيادة المعروض من العملات المعدنية، والتحديات الهيكلية الأعمق المرتبطة بتراجع قيمة الجنيه وارتفاع الأسعار.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك