لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية مساعدة داخل المؤسسات، بل أصبح قوة اقتصادية تعادل في تأثيرها أعظم التحولات الصناعية في التاريخ، مثل اختراع المحرك البخاري أو ظهور الإنترنت.
وتشير تقديرات حديثة إلى أن هذه التكنولوجيا تمتلك القدرة على إضافة ما يصل إلى 4.
4 تريليون دولار إلى الإنتاجية العالمية من خلال استخدامها في الشركات، وهو رقم يعكس حجم التحول الذي يمكن أن يشهده الاقتصاد العالمي خلال السنوات المقبلة.
ورغم هذا الإمكان الهائل، فإن الواقع داخل المؤسسات يبدو مختلفًا؛ إذ تخطط 92% من الشركات لزيادة استثماراتها في الذكاء الاصطناعي خلال السنوات الثلاث القادمة، في حين أن 1% فقط من الشركات تعتبر نفسها وصلت إلى مرحلة النضج الكامل، أي أن الذكاء الاصطناعي أصبح جزءًا أساسيًا من العمليات اليومية ويحقق نتائج ملموسة.
هذه الفجوة الكبيرة بين الطموح والتطبيق تعكس أزمة حقيقية في طريقة إدارة هذا التحول.
أبحاث ماكنزي تكشف أن المشكلة في القيادة لا التكنولوجياهذه الأرقام ظهرت في تقرير أعدّته شركة ماكنزي وشركاه بمشاركة الباحثين هانا ماير، لارينا يي، مايكل تشوي، وروجر روبرتس، مستندًا إلى استطلاعات شملت موظفين وقيادات عليا خلال أواخر عام 2024.
وقد ركزت الدراسة على تحليل مدى جاهزية الشركات لتبني الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من الناحية التقنية، بل أيضًا من زاوية الثقافة التنظيمية والقيادة.
النتيجة الأكثر وضوحًا في التقرير هي أن العائق الأساسي أمام التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي ليس ضعف التكنولوجيا أو رفض الموظفين، بل بطء القيادات في اتخاذ قرارات حاسمة.
فبينما تبدو الأدوات متاحة والموظفون مستعدون، تبقى القرارات الاستراتيجية مترددة، ما يعيق الانتقال من التجارب المحدودة إلى التطبيق الواسع.
قفزات تقنية هائلة خلال عامين فقطشهد الذكاء الاصطناعي خلال فترة قصيرة تطورات غير مسبوقة، حيث انتقل من نماذج محدودة تعتمد على النصوص فقط إلى أنظمة متقدمة قادرة على التعامل مع النص والصوت والصورة في وقت واحد.
ولم يعد دوره مقتصرًا على تنفيذ المهام البسيطة، بل أصبح قادرًا على التفكير والتحليل واتخاذ قرارات معقدة.
وتظهر هذه القفزة بوضوح في الأداء؛ إذ أصبحت بعض النماذج قادرة على تحقيق نتائج ضمن أفضل 10% في اختبارات مهنية مثل امتحان المحاماة، كما تستطيع الإجابة بشكل صحيح على نحو 90% من الأسئلة في اختبارات طبية متقدمة.
كما ارتفعت قدراتها على معالجة المعلومات لتصل إلى ملايين الوحدات النصية في وقت واحد، ما يعزز قدرتها على فهم السياق واتخاذ قرارات دقيقة.
الموظفون يتقدمون… والقيادات تتأخرتكشف البيانات عن فجوة لافتة داخل المؤسسات، حيث يتقدم الموظفون في استخدام الذكاء الاصطناعي بوتيرة أسرع بكثير من توقعات القادة.
فبينما يعتقد القادة أن 4% فقط من الموظفين يستخدمون هذه الأدوات بشكل مكثف، تظهر الأرقام أن النسبة الحقيقية تصل إلى 13%، أي أكثر بثلاث مرات.
ولا يقتصر الأمر على الاستخدام الحالي، بل يمتد إلى التوقعات المستقبلية، حيث يتوقع 47% من الموظفين أن يعتمدوا على الذكاء الاصطناعي في أكثر من 30% من مهامهم خلال عام، في حين لا يتوقع ذلك سوى 20% من القادة.
هذه الفجوة تعكس ضعفًا في فهم القيادة للتحول الحقيقي داخل بيئة العمل.
رغم استعداد الموظفين، إلا أن الدعم المؤسسي لا يزال محدودًا.
فحوالي 48% من الموظفين يرون أن التدريب الرسمي هو العامل الأهم لزيادة استخدام الذكاء الاصطناعي، بينما يشير 45% إلى ضرورة دمجه في العمل اليومي، و 41% إلى أهمية توفير الأدوات، و 40% إلى دور الحوافز.
لكن في المقابل، يؤكد 22% من الموظفين أنهم لا يتلقون أي دعم أو يحصلون على دعم محدود جدًا، ما يخلق فجوة بين الرغبة في التعلم والقدرة على التطبيق الفعلي داخل الشركات.
الجيل زد: قوة رقمية صاعدة تبحث عن التوجيهيشكل الجيل زد، الذي يضم الفئة العمرية ما بين 18 و24 عامًا، أحد أبرز ملامح التحول الجاري داخل بيئات العمل، إذ يدخل هذا الجيل سوق العمل وهو محاط بالتكنولوجيا منذ نشأته، ما يجعله أكثر انفتاحًا على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مقارنة بالأجيال السابقة.
ومع ذلك، تكشف الأرقام عن صورة أكثر تعقيدًا مما يبدو؛ فبرغم هذا القرب الطبيعي من التكنولوجيا، لا يُعد الجيل زد الأكثر خبرة في استخدام الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات.
إذ تشير البيانات إلى أن نسبة من يمتلكون معرفة متقدمة بهذه التقنيات تبلغ نحو 50% فقط، وهي أقل من جيل الألفية الذي تصل فيه هذه النسبة إلى 62%، ما يعكس أن الخبرة العملية لا تزال تتشكل لدى هذا الجيل رغم انخراطه الرقمي المبكر.
ورغم ذلك، لا يمكن التقليل من تأثير الجيل زد، إذ يظهر هذا الجيل مستوى مرتفعًا من التفاعل اليومي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، ويُعد جزءًا أساسيًا من القوى العاملة التي تدفع نحو تسريع تبني هذه التكنولوجيا.
فهو أكثر استعدادًا لتجربة الأدوات الجديدة، وأكثر تقبّلًا لفكرة أن الذكاء الاصطناعي سيغير طبيعة العمل بشكل جذري.
ويبرز ذلك في كونه جزءًا من الكتلة الأكبر داخل بيئة العمل التي تتبنى نظرة متفائلة تجاه الذكاء الاصطناعي، والتي تمثل نحو 59% من الموظفين، وهي نسبة تعكس ميلًا عامًا نحو قبول التغيير بدل مقاومته.
كما أن الجيل زد يتعامل مع الذكاء الاصطناعي ليس فقط كأداة لتحسين الإنتاجية، بل كوسيلة لإعادة تعريف العمل نفسه، حيث يميل إلى استخدامه في المهام اليومية، والتعلم الذاتي، وتطوير المهارات، وحتى في التفكير الإبداعي.
هذا الاستخدام المتنوع يمنحه مرونة أكبر، لكنه في الوقت ذاته يكشف عن حاجة واضحة إلى التوجيه، خاصة أن هذا الجيل لا يزال في بداياته المهنية، ويحتاج إلى إطار تنظيمي يساعده على تحويل هذا الاستخدام إلى قيمة حقيقية داخل المؤسسات.
ومن زاوية أخرى، يظهر الجيل زد حساسية أعلى تجاه تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبله الوظيفي، إذ يتوقع كثير من أفراده أن تؤدي هذه التكنولوجيا إلى تغيير كبير في طبيعة الوظائف، وربما استبدال أجزاء منها.
هذا الإدراك لا يقوده بالضرورة إلى القلق، بل يدفعه في كثير من الأحيان إلى الاستعداد المبكر، من خلال السعي لاكتساب مهارات جديدة والتكيف مع متطلبات السوق المتغيرة.
ومع ذلك، فإن غياب التدريب المؤسسي الكافي يمثل عائقًا أمام هذا الاستعداد، خاصة في ظل ما أظهرته الدراسة من أن نسبة كبيرة من الموظفين عمومًا، ومنهم الجيل زد، لا يتلقون الدعم الكافي لتطوير مهاراتهم في هذا المجال.
في المقابل، يظل دور الجيل زد مرتبطًا بشكل وثيق بالأجيال الأخرى داخل المؤسسة، خاصة جيل الألفية الذي يشغل مواقع إدارية، حيث يتكامل الحماس والمرونة التي يتمتع بها الجيل زد مع الخبرة والقيادة التي يمتلكها الجيل الأكبر.
هذا التفاعل بين الأجيال يمكن أن يشكل عاملًا حاسمًا في تسريع تبني الذكاء الاصطناعي، إذا ما تم استثماره بشكل صحيح.
بالمحصلة، يظهر الجيل زد كقوة صاعدة في سوق العمل الرقمي، يتمتع بقدرة عالية على التكيف والاستعداد للتغيير، لكنه لا يزال بحاجة إلى دعم مؤسسي حقيقي، خاصة في مجالات التدريب والتوجيه، حتى يتمكن من تحويل هذا الحماس إلى كفاءة إنتاجية فعلية.
وفي ظل تسارع التحول نحو الذكاء الاصطناعي، قد يكون هذا الجيل هو العامل الحاسم في تحديد مدى نجاح المؤسسات في الانتقال من مرحلة التجربة إلى مرحلة النضج.
رغم الحماس، لا تخلو الصورة من القلق.
إذ أعرب 51% من الموظفين عن مخاوف تتعلق بالأمن السيبراني، و 50% من عدم دقة النتائج، و 43% من انتهاك الخصوصية.
كما ظهرت مخاوف أخرى تتعلق بفقدان الوظائف ( 35% ) والتحيز ( 30% ) والتنظيم ( 28% ).
ورغم هذه المخاوف، فإن 71% من الموظفين يثقون في شركاتهم لإدارة الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول، وهي نسبة أعلى من ثقتهم في المؤسسات الأخرى مثل الجامعات أو شركات التكنولوجيا الكبرى.
عوائد محدودة اليوم… وتفاؤل بالمستقبلتشير البيانات إلى أن العوائد الحالية لا تزال محدودة، حيث إن 36% من الشركات لم تحقق أي زيادة في الإيرادات، بينما سجلت 39% زيادة طفيفة بين 1% و5%، و 12% بين 6% و10%، و 7% فقط تجاوزت 10%.
أما على مستوى التكاليف، فإن 31% لم تشهد أي تغيير، و 29% شهدت زيادة، مقابل نسب أقل استطاعت تحقيق خفض في التكاليف.
ورغم ذلك، فإن 87% من القادة يتوقعون تحقيق نمو في الإيرادات خلال السنوات الثلاث المقبلة، مع توقع 51% منهم أن تتجاوز الزيادة 5%، ما يعكس تفاؤلًا كبيرًا بالمستقبل رغم التحديات الحالية.
الفرصة موجودة… لكن القرار غائبتكشف نتائج التقرير أن العالم لا يعاني من نقص في التكنولوجيا أو ضعف في قدرات الذكاء الاصطناعي، بل من فجوة في القيادة والقدرة على اتخاذ القرار.
فالموظفون مستعدون، والتكنولوجيا متقدمة، والاستثمارات تتزايد، لكن ما ينقص هو الجرأة في تحويل هذه العناصر إلى تحول حقيقي داخل المؤسسات.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك