فى الحارة القديمة، كان هناك يقين بسيط لا يحتاج إلى شرح: الطفل يسلّم عقله فى الصباح لمعلمه، ويسلّم قلبه فى المساء للمشايخ.
ليس لأنهما معصومان، بل لأن الناس قررت -بحدسٍ قديم- أن المعرفة تحتاج يداً واحدة أمينة، وأن التدين يحتاج صوتاً واحداً صادقاً.
هكذا ينشأ العقل الجمعى: لا من القوانين المكتوبة، بل من ثقة تترسخ كل يوم.
الأم تقول لابنتها: خليكى ورا الشيخ تفلحى.
الأب يوصى ابنه: اسمع كلام أستاذك تنجح.
تبدو جملاً عادية، لكنها فى الحقيقة تبنى جسراً خفياً بين الأجيال.
فى الفصل، يقف المعلم.
يملك سلطة موروثة، لكنه يملك ما هو أخطر: القدرة على تشكيل ما يراه الطالب بديهياً.
يشرح ما يعتقد أنه الصحيح.
يختار مثالاً يعتقد أنه الفريد.
يكرس فكرة التلقى، فتصبح جزءاً من طريقة اتخاذ كل قرار فى حياة أى إنسان.
وفى مكان آخر، يقف رجل الدين.
يفرض ما اختاره.
يفسر ما يريده، فيعتقد الناس أنه الخلاص.
يقلص الحياة الواسعة القيمة بمعنى قاصر وموجه، فيقع المتلقى فى كمين محكم أن طريق النجاة تحت قدميه.
المشهدان مختلفان فى الظاهر، لكنهما يتقاطعان فى نقطة واحدة: الناس لا تتعامل معهما كأفراد، بل كمرجعين.
كلاهما يتكلم بصوتٍ لا يسمعه فرد واحد، بل جماعة كاملة.
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لأن هذه الثقة، التى تبدو نعمة، تحمل داخلها هشاشة خفية.
هى قوية لأنها ممتدة، وضعيفة لأنها بلا دفاعات.
فحين يخطئ شخص عادى، تتوقف الخسارة عند حدود ضيقة.
أما حين ينحرف من يحمل الثقة، فإن الخطأ لا يبقى خطأً… بل صدمة مدمرة.
المعلم الذى يختصر الطريق «بملخص»، «بدرس»، لا يفسد موضوعاً، بل يختصر عقولاً.
والذى يلقّن «كلمات» بدل أن يفتح نوافذ العقل والإدراك يريح نفسه ويربح منها، فيطفئ فى الأطفال فريضة السؤال، حتمية الشك، لذة الوصول إلى الحقيقة.
ورجل الدين الذى يضيّق المعنى «المختار»، يغلق أبواباً كاملة من الفهم، ويفتح سراديب الجهل والتبعية.
المسألة لا تحتاج إلى صخب حتى تُرى، أو إلى فيديو على السوشيال حتى يوقظ العقول المستسلمة لأفكار بالية.
يكفى أن يتحول الدرس إلى إجابة جاهزة «نموذجية»، تنقل كما هى فى ورقة تحدد المصير، وأن يتحول الخطاب إلى يقين يستتاب فيه من يسأل، يرمى بالكفر فيه من تشكك.
يكفى أن يعتاد الناس أن يسمعوا دون أن يفكروا، فالتفكير مجهد، مهلك.
وأن يكرروا -دون أن يفهموا- ما فيه النجاة فى عيون مجتمع متلقٍ، ما فيه النجاح على ورق أفضل ما فيه أنه يعلق على حائط مترهل.
فى تلك اللحظة، لا يكون المجتمع قد تغيّر فجأة.
بل يكون قد انزلق ببطء، خطوة وراء خطوة، من الثقة إلى الاتباع، ومن الاتباع إلى التسليم، ومن التسليم إلى العشوائية، ومن العشوائية إلى الانتحار.
وهنا تصبح الطعنة أعمق مما تبدو.
ليست طعنة فى شخص، بل فى فكرة كاملة كان الجميع يعتقد أنها تحميه من شر «التفكير»: أن من يطيع، يعبر.
وأن من يخضع، ينجو.
حين تترسخ هذه الفكرة فى العقل المجتمع، لا ينهار درس ولا خطاب فقط، بل يختل ميزان خفى كان يربط العقول بالمعانى.
ويصبح السؤال مؤجلاً، أو ملغياً، والاختلاف عبئاً، ونشوزاً، والبحث رفاهية غائبة مكروهة.
ربما لا نحتاج إلى إعادة تعريف الأدوار، بقدر ما نحتاج إلى تذكّر أصلها.
أن المعلم ليس من يملأ الذاكرة، بل من يوقظها يحييهاوأن رجل الدين ليس من يغلق الطريق، بل من يعين عليه.
لأن المجتمع لا يُجرح من الخارج فقط، بل من الداخل.
حين تُخان الثقة مرتين.
مرة من معلم استهام بالمهنة الأقدس، فسوى على مهل جيلاً فاقد القدرة على البحث والشك والإبداع، أو حتى الصراخ حين ينتهك.
ومرة من رجل الدين أدمن الانغلاق، واستحل مطية العقول، فسوى على مهل تكفيريين وإرهابيين، يتمنون سقوط أوطانهم فى غياهب الفوضى وبحور الخوف.
والناتج، أحدهما ينخر بنيان التطور، والثانى يفجر نفسه أو غيره ليهدم التطوير.
والاثنان وقود لجماعة الإخوان وكل ما خرج منها من تكفير وتخوين وتبعية وعمالة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك