وأرى ان القانون الجديد يحاول العمل على ثلاثة محاور أساسية هي:المحور الأول.
قبل الزواج، لأول مرة في تاريخ التشريع، تقنين شكل الخطوبة ومعاملاتها.
المحور الثاني.
بعد الزواج (فسخ – نفقة – حضانة).
المحور الثالث.
توسيع مفهوم الأسرة.
ولا شك أن هذا المشروع يمثل محاولة جادة لمعالجة تراكمات تشريعية ممتدة لعقود فى عدة قضايا، إلا أن الجرأة في الطرح لا تعني بالضرورة تحقيق التوازن، وهو ما يفرض قراءة قانونية متأنية لمواده، خاصة تلك التي أثارت جدلًا واسعًا منها.
تقنين مرحلة الخطبة، والتى تعد خطوة إيجابية ومن أبرز ملامح المشروع، فإدخال تنظيم قانوني لمرحلة الخطبة، وهي سابقة تُحسب للمشرّع، أمر هام، حيث طالما كانت هذه المرحلة مصدرًا لنزاعات عملية دون سند تشريعي واضح.
غير أن تنظيم استرداد الهدايا وربطها بسبب العدول يفتح بابًا واسعًا لتقدير النوايا، وهو ما قد يُثقل كاهل القضاء بدعاوى يصعب فيها الإثبات، خاصة في ظل الطبيعة الاجتماعية المعقدة لهذه المرحلة.
ثانيًا: فسخ الزواج خلال 6 أشهر.
قد يكون به شبهة عدم دستورية، إذا كان النص يجيز للزوجة وحدها فسخ عقد الزواج خلال مدة محددة حال ثبوت التدليس، وهذا يثير إشكالية دستورية واضحة، تتعلق بمبدأ المساواة أمام القانون.
فإذا كان التدليس سببًا مشروعًا لفسخ العقد، فإن المنطق القانوني يقتضي أن يكون هذا الحق مقررًا لكلا الطرفين دون تمييز، وإلا أصبح النص عرضة للطعن بعدم الدستورية لمخالفته مبدأ تكافؤ المراكز القانونية.
ثالثًا: الحضانة والرؤية.
مصلحة الطفل أم ساحة صراع؟ يحاول المشروع ضبط مسألة تنفيذ أحكام الرؤية وتشديد الإجراءات ضد الحاضن الممتنع، وهي خطوة مطلوبة لضمان احترام الأحكام القضائية.
إلا أن بعض المقترحات المرتبطة بنقل الحضانة أو اتخاذ تدابير عقابية قد تؤدي – إذا لم تُحاط بضوابط دقيقة – إلى الإضرار بمصلحة الطفل، التي يجب أن تظل المعيار الحاكم في كافة الأحوال، لا أن تتحول إلى أداة ضغط بين الأطراف.
رابعًا: إدخال الأجداد في منظومة الرؤية، تطور اجتماعي محمود من النقاط الإيجابية بالمشروع، الاعتراف الصريح بحق الأجداد في رؤية الأحفاد، وهو ما يعكس فهمًا أوسع لمفهوم الأسرة الممتدة.
غير أن تنظيم هذا الحق يجب أن يتم بحذر، بحيث لا يتعارض مع استقرار الطفل النفسي أو يخلق تعددية في مراكز المطالبة بالرؤية تؤدي إلى تعقيد التنفيذ.
أما عن تقيم فلسفة المشروع بين الحماية والانحياز عند قراءة المشروع في مجمله، يتضح أن المشرّع يسعى إلى تحقيق نوع من الحماية للطرف الأضعف داخل العلاقة الأسرية، وهو هدف مشروع في ذاته، إلا أنه يجب على المشرع عدم الانزلاق نحو اختلال التوازن، بما قد يُنتج تشريعًا يؤثر على فاعليته العملية.
إن مشروع قانون الأسرة الجديد يُعد نقلة نوعية من حيث الجرأة في الطرح وتعدد المسائل التي يتناولها، لقضايا مطلوبة وواجبة لصيانة المجتمع، إلا أنه لا يزال بحاجة إلى مراجعة دقيقة لضمان تحقيق التوازن بين الحقوق والالتزامات، والتأكد من التوافق مع المبادئ الدستورية وعلى رأسها مبدأ المساواة، ووضع مصلحة الطفل في صدارة الأولويات دون مزايدات.
فالقوانين الأسرية لا تُقاس فقط بمدى حداثة نصوصها، بل بقدرتها على تحقيق العدالة والاستقرار داخل أهم وحدة في المجتمع.
وهى الأسرة.
ويبقى الأمل كما أتوقع أن تخرج النسخة النهائية من هذا القانون معبرة بحق عن توازن دقيق بين النص والواقع، وبين العدالة والرحمة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك