ومنحت الجغرافيا الفريدة لمضيق هرمز—الذي يتراوح عرضه بين 33 و40 كيلومترًا عند أضيق نقطة، وتنحصر فيه حركة الملاحة التجارية الدولية في ممرات لا يتجاوز عرضها 2 إلى 3 كيلومترات في كل اتجاه—ميزة استراتيجية كبرى للدول المطلة عليه، وخاصة إيران.
التقدير الاستخباراتي الأمريكي الإسرائيلي اصطدم بالواقع العملي المرير على الأرض؛ إذ سارعت طهران إلى زرع حقول ألغام بحرية مكثفة وغامضة في المضيق، مما اضطر القوات البحرية الأمريكية إلى قضاء أسابيع طويلة في محاولة تطهير مسارات بديلة لتأمين عبور السفن التجارية، مع إعلان البحرية الأمريكية أن طرق العبور التقليدية أصبحت" شديدة الخطورة".
عائلات الألغام والقنابل الذكيةتتنوع الترسانة الدفاعية والهجومية لتشمل عائلات مختلفة من الألغام والقنابل الذكية، وتتفاوت خطورتها وفقًا لآليات التوجيه وطاقة الانفجار الكامنة فيها، وتكشف المقارنات الفنية لمنظومات الألغام البحرية المرتبطة بإيران عن امتلاك طهران مجموعة متنوعة من الألغام القاعية والعميقة وألغام التلامس، تتراوح بين نماذج محلية من سلسلة" ماهام" الإيرانية وأنظمة أجنبية متطورة مثل اللغم الصيني" EM-52" واللغم الروسي" MDM-3".
وتوفر عائلات الألغام لإيران قدرة على تنفيذ عمليات منع الوصول وإعاقة الملاحة في المياه الضحلة والعميقة بمضيق هرمز والخليج العربي.
وتضم سلسلة" ماهام" الإيرانية عدة نماذج أبرزها" ماهام-1" المخصص للمياه المتوسطة، و" ماهام-2" القاعي العامل بمستشعرات صوتية ومغناطيسية، إضافة إلى" ماهام-3" المصمم للعمل في المياه العميقة حتى 100 متر، بينما يعتمد" ماهام-6" على تصميم مخروطي يرفع من كفاءته في التخفي بقاع البحر، ويمثل" ماهام-7" أحد أكثر الألغام تطوراً داخل الترسانة الإيرانية، إذ يعمل كلغم قاعي ملتصق يصعب اكتشافه بواسطة أنظمة السونار التقليدية.
وعلى مستوى المنظومات الأجنبية، يُعد اللغم الصيني" EM-52" من أخطر الألغام البحرية الهجومية، حيث يطلق مقذوفاً صاروخياً باتجاه الهدف بعد رصده، بينما يتميز اللغم الروسي" MDM-3" بإمكانية نشره جواً أو بحرياً واعتماده على مستشعرات متعددة لرصد السفن.
وتمنح هذه المنظومات مجتمعة إيران مرونة كبيرة في تنفيذ عمليات إغلاق الممرات المائية أو استنزاف قوات مكافحة الألغام التابعة للبحريات الغربية.
تكتيك ترسانة الألغام وقنابل الأعماقيعتمد تكتيك البحرية الإيرانية على تطوير ترسانة ضخمة تضم قرابة 5000 لغم بحري وقنبلة أعماق، ولا تهدف هذه الترسانة إلى مجاراة التكنولوجيا الغربية المتفوقة بقدر ما تهدف إلى توظيف أساليب التشتيت والانتشار الواسع عبر قوارب سريعة، وطائرات مسيرة، وزوارق مفخخة.
وتبرز الغواصات القزمية من فئة" غدير" كأداة رئيسية في هذا التكتيك، لقدرتها على العمل في مياه ضحلة لا تتجاوز 30 متراً لزرع ألغام قاعية تأثيرية دون كشفها.
ألغام التمييز الذاتي.
الذكاء الاصطناعي في مواجهة الإنسانتعتبر الألغام المدعومة بتكنولوجيا التمييز الذاتي من أخطر الألغام التى تعمل بدون تدخل بشري، فهى تحدد أهدافها وتتجذ قرار التفجير ذاتيا، وفقا لخوارزميات الحرب التى تم دمجها فى الإلغام قبل إلقائها فى المياه.
وهى تمثل قفزة نوعية في تكنولوجيا الألغام، تمتلك «خوارزميات الحرب» القدرة على جمع البيانات الفيزيائية المنبعثة من السفن العابرة، ومعالجتها ذاتياً دون أي تدخل بشري لاتخاذ قرار التفجير أو التغاضي.
تعتمد هذه الألغام التأثيرية على دمج قنوات استشعار تلتقط البصمات الفيزيائية، والبصمة الصوتية، والبصمة المغناطيسية، والبصمة الضغطية، ومقارنتها بنماذج مسجلة في معالج اللغم لتحديد فئة العائمة، واتخاذ القرار دون مراجعة بشرية.
ويُعد كشف وتحييد هذا النوع من الألغام المعضلة الأكبر للبحريات الغربية؛ إذ لا توجد وسيلة عملية وآمنة لمحاكاة بصمات السفن دون تعريض كاسحات الألغام لخطر التدمير.
وما يزيد من خطورة «ألغام التمييز الذاتي» انها غير قابلة للخداع، فلا يمكن تفجيرها بواسطة المعادن الطافية والحطام البحري غير الخطير، لأن معالجات الألغام الذكية تستخدم خوارزميات تصنيف تفصل بين الأهداف الحقيقية والأجسام الزائفة.
تحديات جغرافية لإزالة الإلغام في مضيق هرمزوفرضت جغرافيا مضيق هرمز - الممرات الضيقة والمغلقة - بيئة قاسية لعمليات مكافحة الألغام إذ إن متطلبات مسافات الأمان والوقوف الاحترازي تجبر صائدات الألغام المأهولة على البقاء على بعد عشرات الكيلومترات من حقول الألغام المشتبه بها، خوفاً من تعرضها للاستهداف.
هذا الواقع فرض الانتقال الكامل نحو توظيف المركبات الذاتية تحت الماء.
فرنسا وبريطانيا.
حملة جديدة لإزالة الألغاموفي أحدث حملة دولية لإزالة ألغام مضيق هرمز، أعلنت بريطانيا وفرنسا عن الانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة على خطة لقيادة مهمة متعددة الجنسيات تهدف إلى إزالة الألغام وتأمين الملاحة في مضيق هرمز، في إطار تحرك أوروبي أوسع لضمان استمرار تدفق التجارة العالمية عبر أحد أهم الممرات البحرية للطاقة في العالم.
وتأتي الخطة ضمن تصور لإنشاء قوة بحرية دفاعية تشارك فيها عدة دول، مع التركيز على عمليات تطهير الألغام البحرية وإعادة فتح ممرات آمنة للسفن التجارية.
المبادرة البريطانية–الفرنسية تشمل أيضًا ترتيبات لتنسيق الجهود البحرية وتوزيع المهام بين الدول المشاركة، بما في ذلك استخدام تقنيات متقدمة مثل الزوارق غير المأهولة وأنظمة الاستطلاع تحت الماء لرصد وتحييد الألغام، وتواجه هذه الحملة تحديات سياسية وأمنية في ظل استمرار التوترات في المنطقة.
استنتاجات استراتيجية.
حرب محتملة مع الصينوفي سياق المفاوضات الجارية وإصرار آلة الحرب الإسرائيلية على التصعيد في لبنان وغزة، أعلنت إيران عن إغلاق مضيق هرمز وشل إمدادات الطاقة العالمية عبر فرض حصار على المضيق.
وأحدث الحصار الأمريكي المفروض على الجهة الأخرى من المضيق، توتر غير مسبوق، عقب استهداف سفن النفط الإيرانية المتجهة إلى الصين، وتتفاقم هذه الأزمة مما يهدد بجر المواجهة إلى صدام مباشر بين القوى العظمى.
تسببت الأضرار الاقتصادية الناتجة عن إغلاق إمدادات الطاقة عبر مضيق هرمز بفعل الحرب الأمريكية على إيران، في تآكل التحالفات الغربية التي كانت قائمة منذ ثمانينيات القرن الماضي؛ وأبدت غالبية الدول الأوروبية إحجاماً كبيراً عن الانخراط في تحالفات تطهير الألغام التي تقودها واشنطن، مما وضع البحرية الأمريكية وحيدة في مواجهة فجواتها التشغيلية العميقة بمجرد مواجهة بضعة ألغام إيرانية.
واقع عالمي جديد في المضيق.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك