حملات متتالية ودعوات رسمية وأهلية تدعو المواطنين إلى أن يكونوا على قدر كاف من الوعي في الحفاظ على البيئة ومناطق التنزه، والتخلص من النفايات في موسم يعد الأكثر إقبالا على الرحلات وتوافد السياح من دول عدة مجاورة.
اضافة اعلانوفي هذه الفترة، ولغاية عطلة عيد الأضحى المبارك، تشهد المملكة نشاطا سياسيا داخليا ملحوظا، وما الصور ومقاطع الفيديو المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلا دلالة على حجم هذا الإقبال، الذي سيفرز كميات من" النفايات" بعد الرحلات، ما يتطلب من الزائر التخلص منها بطرق آمنة وسليمة تترك المكان مهيأ لزوار آخرين.
الحفاظ على البيئة مسؤولية مجتمعيةوبينت بعض المقاطع المتداولة وجود تفاوت بين الزوار؛ فبين مشاهد إيجابية لعائلات تعمل على تنظيف المكان بعد الاستمتاع بالطبيعة، وتجهيز" أكياس نفايات" والتخلص منها في الأماكن المخصصة، تظهر في المقابل عائلات أو أفراد يتعمدون ترك المكان من دون أدنى شعور بالمسؤولية، ما يستدعي تدخل كوادر عمالية أو حملات تطوعية لتنظيفه.
وفي إحدى تلك الحملات، وثقت مقاطع وجود عمال الوطن أثناء قيامهم بتنظيف الموقع، حيث تعرض أحدهم لإصابة بليغة جراء" لدغة عقرب" أثناء إزالة نفايات تركتها إحدى العائلات، ما دفع مئات المتابعين عبر مواقع التواصل الاجتماعي إلى المطالبة بفرض مخالفات رادعة لكل من لا يلتزم بالحفاظ على البيئة والنظافة العامة.
" اترك المكان نظيفا كما تحب أن تراه"ويرى يوسف شوبكي أن هذه المواقع وجدت للراحة والاستجمام والتنزه، ما يفرض على الجميع المحافظة عليها وعدم العبث بمرافقها أو الإضرار بها، بما في ذلك التأكد من إطفاء النار بعد الانتهاء من استخدامها، وعدم ترك النفايات بعد انتهاء الرحلة.
ويضيف أن نظافة المكان تعكس وعي الإنسان واحترامه للبيئة والمجتمع، مشددا على أن المبدأ الأجمل الذي يجب الالتزام به دائما هو" اترك المكان نظيفا كما تحب أن تراه".
ومؤخرا، قامت وزارة السياحة والآثار، بالتعاون مع عدد من المؤسسات الرسمية والأهلية، بتنظيم حملات نظافة في عدد من المواقع السياحية، تنفيذاً لاستراتيجية النظافة والحد من الإلقاء العشوائي، والتي تأتي أيضا بهدف" تعزيز الوعي البيئي والحد من ظاهرة الرمي العشوائي للنفايات، وضمن الخطة الوطنية الهادفة إلى الحفاظ على جمالية واستدامة المواقع السياحية".
نشر الوعي البيئي بين الزواركما بين القائمون على الحملة في الوزارة أن هذه الجهود تجسد أهمية العمل التشاركي بين مختلف المؤسسات الرسمية والمجتمعات المحلية في حماية المواقع السياحية، ونشر الوعي البيئي بين الزوار، وترسيخ ثقافة المسؤولية المشتركة للحفاظ على هذه المواقع، وضمان استدامتها للأجيال المقبلة.
علاء راشد، يعلق بالقول إن الحديث وحده قد لا يغير شيئا ما لم يكن هناك التزام حقيقي وتطبيق فعلي للقوانين، فالكثير من الناس لا يرتدعون بالتوعية فقط، بل عند فرض المخالفات بشكل جاد وحازم.
ويضيف أن هذا السلوك لا يعكس فقط قلة الوعي، بل يدل على ضعف الانتماء وغياب الإحساس بالنظام والنظافة العامة، مؤكدا أن مثل هذه التصرفات تحتاج إلى وعي حقيقي وتربية صحيحة، وتطبيق صارم للقوانين حتى يصبح احترام المكان سلوكا طبيعيا لا مجرد خوف من العقوبة.
مخالفات بيئية في المتنزهاتومن هنا، شددت مديرية الأمن العام على أهمية الحفاظ على نظافة الأماكن العامة، وتجنب السلوكيات السلبية التي تم رصدها، مثل إلقاء النفايات وإشعال النيران في غير الأماكن المخصصة، وضرورة إبقاء المواقع التنزهية نظيفة.
ويأتي هذا التشديد بعد أن رصد العاملون في الإدارة الملكية لحماية البيئة عددا من المخالفات البيئية في المتنزهات والمواقع السياحية والأثرية، حيث تم اتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة بحق المخالفين، إلى جانب تنفيذ حملات تنظيف من قبل البلديات وأمانة عمان لإزالة المخلفات التي تركت خلف المتنزهين.
وبحسب بيانها، ثمنت مديرية الأمن العام أيضا" التزام الكثير من المواطنين الذين أظهروا وعيا ومسؤولية عالية في الحفاظ على البيئة"، مؤكدة أن هذا التعاون هو الأساس في حماية جمال الطبيعة واستدامتها للجميع.
مشاهد وسلوكيات غير حضاريةولا تنعكس هذه السلوكيات على الفرد فقط، بل على المجتمع بأكمله، إذ يبدأ الوعي من المنزل.
وفي هذا السياق، تقول مها صمادي: " كل تصرف وسلوك يظهر خارج البيت هو في الحقيقة انعكاس مباشر لما يحدث داخله، فالشخص الذي ينشأ في بيت نظيف ومرتب ويحمل قيما واضحة من الاحترام والانتماء، ينعكس ذلك على تصرفاته في المجتمع وفي الأماكن العامة".
" ولكن غياب هذا الانتماء والشعور بالمسؤولية يؤدي إلى مشاهد وسلوكيات غير حضارية نراها من حولنا، ولو وجد الالتزام الحقيقي إلى جانب تطبيق المخالفات والغرامات بشكل جاد، لما شاهدنا مثل هذه المناظر التي تدل على ضعف الإحساس بالمسؤولية تجاه المكان والمجتمع"، على حد تعبير مها.
غير أن كل سلوك فردي لا بد أن يتفاقم ليصبح سلوكا مجتمعيا أو يؤثر في المجتمع.
وتبين الأستاذ المشارك في قسم علم الاجتماع في جامعة مؤتة، الدكتورة نسرين عبدالله البحري، أننا اليوم في موسم تنزه نشط يشهد إقبالا واسعا من المواطنين والزوار من داخل وخارج الأردن، ما يجعل السلوك الفردي عاملا أساسيا في تشكيل الانطباع العام.
وتضيف البحري أن مشهد النفايات في موقع سياحي لا يسيء للمكان فقط، بل يعطي صورة سلبية عن المجتمع ككل، حتى وإن كان هذا السلوك صادراً عن فئة محدودة.
وفي المقابل، فإن السلوك الإيجابي المتمثل بالمحافظة على نظافة المكان، أو المبادرة بجمع النفايات ووضعها في الأماكن المخصصة، يقدم صورة حضارية مشرفة.
الاهتمام بالمكان العام مسؤولية جماعيةكما أن هذا السلوك الإيجابي يعكس وعي المجتمع واحترامه للبيئة وللآخرين، وتحمل هذه السلوكيات البسيطة رسالة قوية مفادها بأن الاهتمام بالمكان العام مسؤولية جماعية.
ومن منظور اجتماعي، تشدد البحري على أن هذا السلوك لا ينشأ من فراغ، بل هو نتاج مباشر لعملية التنشئة الاجتماعية داخل الأسرة، فالطفل الذي يرى والديه يحافظان على نظافة المكان العام، ويتعاملان معه على أنه ملك للجميع، ينشأ وهو يحمل هذا السلوك بوصفه قيمة راسخة، لا مجرد تعليمات مؤقتة.
ومن هنا تبرز أهمية القدوة، وفق البحري، لأن السلوك الممارس أكثر تأثيرا من أي خطاب توعوي، ملخصة ذلك بأن الحفاظ على نظافة أماكن التنزه ليس قضية بيئية فقط، بل هو سلوك حضاري يعكس مستوى الوعي والانتماء والمسؤولية المجتمعية.
وبين سلوك يسيء للمكان ويشوه صورته، وسلوك إيجابي يرسخ الجمال والانتماء، يبقى الخيار بيد الفرد، لكن الأثر يطال المجتمع بأكمله، بحسب البحري.
كما تؤكد البحري أن نظافة المكان العام ليست واجب الجهات الرسمية وحدها، بل هي مرآة وعينا وسلوكنا، ورسالة حضارية نعكس بها صورتنا المشرفة أمام أنفسنا وأمام زوار الأردن.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك