تعرّف على قصة الحجر الأسود منذ نزوله من الجنة، وفضائله في السنة النبوية، وأحداث سرقته ومحاولات تكسيره، ولماذا يُعد “يمين الله في الأرض” وشفيعًا يوم القيامة.
الحجر الأسود.
حجر من الجنة يحمل رسالة للبشرليس الحجر الأسود مجرد حجرٍ مثبت في ركن الكعبة، بل هو رمز إيماني عميق، ارتبط ببداية الخليقة، وظل شاهدًا على علاقة الإنسان بربه عبر العصور.
عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﷺ قال: «نَزَلَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ مِنَ الْجَنَّةِ وَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ اللَّبَنِ، فَسَوَّدَتْهُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ» [رواه الترمذي، كتاب الحج، باب ما جاء في الحجر الأسود، برقم ٨٧٧، وقال: حديث حسن صحيح].
كما روى عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الْحَجَرَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ، طَمَسَ اللهُ نُورَهُمَا، لَوْلَا ذَلِكَ لَأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَوْ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ» [مسند الإمام أحمد، ٧٠٠٨]كان الحجر أبيض ناصعًا، لكن خطايا البشر تركت أثرها عليه، فاسودّ، في دلالة إيمانية عميقة على أثر الذنوب في القلوب.
هل الحجر الأسود" يمين الله في الأرض"؟ورد في بعض الآثار عن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي ﷺ قال: «الْحَجَرُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الأَرْضِ، فَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ بَيْعَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَمَسَحَ الْحَجَرَ، فَقَدْ بَايَعَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ» [المعجم الكبير للطبراني، ٣/ ١٢٧، وانظر: مجمع الزوائد، ٣/ ٢٤٢]وفي لفظ آخر: «الرُّكْنُ الأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ، يُصَافِحُ بِهَا عِبَادَهُ كَمَا يُصَافِحُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ»كما روى الترمذي: «لَيُبْعَثَنَّ الْحَجَرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، لَهُ عَيْنَانِ يُبْصِرُ بِهِمَا وَلِسَانٌ يَنْطِقُ بِهِ، يَشْهَدُ لِمَنِ اسْتَلَمَهُ بِحَقٍّ»وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «مَسْحُ الْحَجَرِ الأَسْوَدِ وَالرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ يَحُطَّانِ الْخَطَايَا حَطًّا» [رواه الإمام أحمد في مسنده، ٥٦٢١]أعظم لحظة في تاريخ الحجر: عندما وضعه النبي بيديهقبل البعثة بخمس سنوات، اختلفت قريش عند إعادة بناء الكعبة حول من ينال شرف وضع الحجر الأسود، وكادت تقع فتنة عظيمة.
حتى جاء النبي ﷺ، فقال: «ائْتُونِي بِثَوْبٍ» ثم قال: «لْيَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِطَرَفٍ مِنَ الثَّوْبِ»فرفعوه جميعًا، ثم وضعه النبي ﷺ بيده الشريفة في مكانه [السيرة النبوية لابن هشام، ١/ ١٩٢-١٩٣]بكاء النبي ﷺ عند الحجر الأسودعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: «اسْتَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجَرَ، ثُمَّ وَضَعَ شَفَتَيْهِ عَلَيْهِ يَبْكِي طَوِيلًا، ثُمَّ الْتَفَتَ فَإِذَا هُوَ بِعُمَرَ يَبْكِي، فَقَالَ: يَا عُمَرُ، هَا هُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ»[رواه ابن ماجه، ٢٩٤٥، ورواه الحاكم وصحح إسناده]سرقة الحجر الأسود: جريمة القرامطة التي هزّت العالم الإسلاميفي سنة ٣١٧هـ (٩٣٠م)، اقتحم القرامطة مكة بقيادة أبو طاهر القرمطي، وارتكبوا مذبحة داخل المسجد الحرام، ثم قلعوا الحجر الأسود ونقلوه إلى الأحساء.
ظل الحجر مفقودًا 22 عامًا، حتى أُعيد سنة ٣٣٩هـ (٩٥٠م)، بعد أن تكسر إلى عدة أجزاء، وتم تثبيته في إطار فضي كما هو اليوم.
محاولات تكسير الحجر الأسود عبر التاريختعرض الحجر لعدة اعتداءات، منها:سنة ٣٦٣هـ: رجل ضربه بمعولسنة ٤١٤هـ: رجل ضربه ثلاث ضربات فتقشر منه أجزاءحوالي ٩٩٠هـ: محاولة اعتداء بدبوسوجميعها انتهت بالفشل، وبقي الحجر رمزًا محفوظًا رغم كل الاعتداءات.
إعادة تثبيت الحجر في العهد الحديثفي عام ١٣٥١هـ، أُعيد تثبيت الجزء المسروق من الحجر الأسود بأمر الملك عبد العزيز آل سعود، باستخدام مواد خاصة ممزوجة بالمسك والعنبر، وتم تثبيته بإحكام في موضعه.
لماذا يظل الحجر الأسود شاهدًا على الإيمان؟الحجر الأسود ليس معبودًا، بل رمز للطاعة والاتباع، واستلامه عبادة نتقرب بها إلى الله، اقتداءً بسنة النبي ﷺ.
إنه شاهد على الإيمان، وشفيع يوم القيامة، ومشهد تتجلى فيه دموع الخشوع، حيث قال النبي ﷺ: «يَا عُمَرُ، هَا هُنَا تُسْكَبُ الْعَبَرَاتُ».
ومنذ آلاف السنين، لا يزال الحجاج يفدون إليه من كل فج عميق، يقبلونه، ويمسحونه، ويجددون عنده العهد مع الله.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك