حين أعود بذاكرتي إلى البدايات، لا أفشي سرًا حينما أقول إنني أستحضر محطة مهنية، بل أستعيد رحلة عمر بدأت بحلم صغير في أزقة البلاد القديم، وكبرت مع الإصرار حتى أصبحت الصحافة بالنسبة لي قدرًا ورسالة وحياة خاصة.
في العام 1988، كنت شابًا يطرق باب الحلم الأول، حين تقدمت للعمل متدربًا في إحدى المجلات الأسبوعية، لكن الباب أُغلق سريعًا، وقيل لي بوضوح: ”ابتعد.
لا مستقبل هنا”! يومها لم تكن العبارة قاسية فحسب، بل اختبار صعب جدًا جدًا لإيماني بنفسي وأنا في ذلك العمر.
على أية حال، خرجت، لكنني لم أنصرف عن الحلم، بل تمسكت به أكثر، مؤمنًا بأن الطريق الصعب قد يكون هو الطريق الصحيح.
منذ تلك اللحظة، بدأت أتعلم أن الصحافة ليست وظيفة، بل معركة وعي وصبر ومثابرة.
قرأت كثيرًا، كتبت أكثر، وفتحت لنفسي أبوابًا حين أُغلقت أخرى.
ولا أفشي سرًا حينما أقول.
كانت البلاد القديم هي المدرسة الأولى؛ القرية التي منحتني الروح البحرينية الطيبة، والأسرة التي غرست فيّ قيمة العلم، والدي، رحمه الله، كان يجمع أهل القرية ليعلمهم اللغة الإنجليزية، ومنه تعلمت أن المعرفة قوة، وأن الكلمة يمكن أن تصنع أثرًا لا يقل عن أي فعل آخر.
لم تكن رحلتي مقتصرة على الصحافة وحدها، فقد وجدت نفسي في الإذاعة وفي المسرح وفي أدب الطفل، وفي التلحين والتمثيل والعمل الاجتماعي، كنت مؤمنًا بأن الإعلامي الحقيقي لا يعيش داخل قالب واحد، بل يتنقل بين المنصات كلها حاملًا رسالته الإنسانية والوطنية، لذلك كتبت للطفل كما كتبت للتحقيق الصحافي، وألفت للمسرح كما عملت في الدراسات الاجتماعية، لأنني كنت أرى أن الكلمة بأشكالها المختلفة قادرة على بناء الإنسان.
على مدى أكثر من ثلاثة عقود، لم تكن الطريق مفروشة بالورود! واجهت تحديات مهنية وتحولات إعلامية ومنافسة قاسية، لكنني كنت دائمًا أؤمن أن النجاح الحقيقي ليس في الوصول فقط، بل في الاستمرار بشرف، والحفاظ على المبدأ، وتطوير الذات، وكانت الجوائز التي نلتها خليجيًا وعربيًا محل تقدير أعتز به، لكنها بالنسبة لي لم تكن يومًا الغاية، بل كانت نتيجة طبيعية للإخلاص في العمل.
اليوم، وأنا أنظر إلى المسيرة، أدرك أن أجمل ما فيها ليس عدد الجوائز ولا كثرة الإصدارات، بل إنني لم أستسلم في اللحظة الأولى التي قيل لي فيها “لا مستقبل”! ربما كانت تلك العبارة هي الوقود الذي دفعني لأثبت العكس، ولهذا أقول لكل شاب يحمل حلمًا: قد يُغلق باب، لكن الإصرار قادر على بناء أبواب جديدة، بالتوكل على الله عز وجل وبقلب صادق وأخلاص عميق.
هذه تجربتي.
من البلاد القديم إلى ميادين الصحافة والإعلام، رحلة تعلمت فيها أن الحلم إذا اقترن بالإيمان والعمل، يمكنه أن يصنع من التحديات تاريخًا شخصيًا يستحق أن نحمله على صدورنا كوسام اعتزاز وفخر.
تنبه صحيفة البلاد مختلف المنصات الإخبارية الإلكترونية الربحية، لضرورة توخي الحيطة بما ينص عليه القانون المعني بحماية حق الملكية الفكرية، من عدم قانونية نقل أو اقتباس محتوى هذه المادة الصحفية، حتى لو تمت الإشارة للمصدر.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك