حين تشتدّ أعراض أمراض الشتاء، كأن تنتشر العقبولة (بثور الحُمّى) حول الفم، تقول الأمّهات: هذه تأتي في الآخر، اقترب الشفاء بإذن الله.
احمرّ أنف سورية، واختلجت أعضاؤها، وسرت فيها الحمّى، وارتفع صوت أنينها، وتشنّجت أطرافها وارتجفت، ودمعت عيناها، وصرخت.
وفي الأيّام الماضية ظهرت بثور جديدة في جسدها، وحول فمها، وارتفعت فيها للمرّة الأولى منذ عام 1948 أصوات متناثرة تقول: ليهتمّ الفلسطينيون بشؤونهم، وليغادروا إذا كان وضع سورية لا يعجبهم.
ثم: ليغادروا سواء أعجبهم أم لم يعجبهم.
القصة بدأت بصحافي انتقد شيئاً ما، وعلى الأرجح هو محقّ في انتقاده، أراد صحافي آخر أن يردّ عليه.
وبدلاً من أن يقول له واحدة من تلك الجمل الشائعة: " بنو أميّة أصلهم ذهب"، و" الرئيس عمّك وتاج راسك"، و" يبدو أنّك تحنّ لسيّدك بشّار".
بدلاً من تلك المحاججات الساذجة، وجد فيها" عيباً" لم يستخدم بعد، فقال له: " اصمت يا فلسطيني".
لم يقبل بعض الناس التقليل من شأن الفلسطينيين، أو استاؤوا من الشتائم التي تلت تلك الجملة، فاعترضوا على اعتراضه.
وهنا تحوّلت القصّة إلى معركة جديدة، بثرة جديدة في وجه سورية، فتحوّل الفلسطينيون السوريون إلى طائفة جديدة في بلد يحبّ الآن أن ينقسم بين طوائف" ضالّة".
عثر بعضهم على وثيقة تثبت مشاركة 20 فلسطينياً إلى جانب النظام في معركة ما، أو حكاية عن فلسطيني سرق دجاجة من جاره في الستينيّات.
وهكذا.
وبالنتيجة بدا الأمر كأنّ معركةً على وشك النشوب بين السوريين والفلسطينيين السوريين.
إذاً فلنقل كما تقول الأمّهات: اقترب الشفاء بإذن الله.
من بين عيوبه التي لا تحصى، ترك حزب البعث في المجتمع السوري ثلاث فضائل يجب شكره عليها، الأولى أنّ السوريين لا يعتبرون العربي أجنبياً، ليس بالقانون ولا بالتعليمات بل بالشعور.
والثانية أنّ أبناء العائلات القادمة من طبقات دنيا يستطيعون بسهولة الإحساس بالاندماج والتكافؤ إذا ما حقّقوا إنجازاً شخصياً كافياً، ويمكن بسهولة أن يلتقي ابن الفلّاح وابن الآغا السابق في مدرّج جامعي من دون حساسية.
والثالثة أنّ السوريين يشعرون شعوراً عميقاً بأنّ فلسطين تخصّهم.
هناك حكاية تلخص بدايات الوجود الفلسطيني في سورية، وكيف تلقّاها السوريون: من بين الدول الـ56 كلّها التي خرجت منها فرنسا عقب الحرب العالمية الثانية، سورية هي الدولة الوحيدة التي لا يتحدّث أبناؤها الفرنسية، ولا يتعلّمونها في المدارس (باستثناء مدرستين فرنسيتين أصلاً و10% من طلاب المدارس العامّة)، وإذا ما بحثنا عن السبب، لوجدنا أنّه نوع من الترحاب بالفلسطينيين، والتضامن معهم، فقد حدثت أوّل موجة هجرة كبيرة في عام 1948، أي بُعيد استقلال سورية بوقت قصير، وقد فتحت سورية أبوابها وأبواب مؤسّساتها للفلسطينيين، وأمّنت فرص عمل لمن يستطيع منهم.
وحين اكتشفت وزارة المعارف السورية آنذاك أنّ معظم الفلسطينيين يتقنون اللغة الإنكليزية، عيّنت المئات منهم، ووزّعتهم بين مدارس المدن السورية، وألغت تعليم اللغة الفرنسية لأجل ذلك.
والحكاية الثانية تعود إلى زمن أقدم، وهو 1917، فقد منح وزير الخارجية البريطاني آرثر جيمس بلفور وعده المشؤوم من دون نقاشات في الحكومة أو البرلمان، فهو عملياً رسالة منه موجّهة إلى اللورد والتر دي روتشيلد.
لذلك، حين تسرّب إلى الرأي العام، ظهرت أصوات معترضة عليه، كان في رأسها صوت النائب والوزير (اليهودي) إدوين مونتاغو، والذي اعتبر إقامة وطن قومي لليهود فكرة خطيرة، لأنّها توحي بأنّ اليهود ليسوا مواطنين كاملي الانتماء في بلدانهم.
وستؤدّي إلى طردهم من أوروبا، واعتبارهم" غرباء" لا ينتمون إلى أوطانهم الأصلية.
فتقدّم بطلب استجواب للحكومة في البرلمان.
وهناك جرت نقاشات اقتُطعت منها مداخلة النائب اللورد سيدنهام (عضو مجلس اللوردات) الذي اعترض على إقامة وطن لليهود لأسباب إنسانية وأخلاقية، وحاجج بأنّ بريطانيا لا تملك حقّ منح أرض الآخرين، وختم مداخلته بجملة أتمنى أن يختتم بها السوريون نقاشهم هذا: إذا أعطينا يهود أوروبا فلسطين، فماذا سنفعل بـ500 ألف سوري يعيشون هناك؟

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك