لا ينطلق د.
محمد مكرم بلعاوي، في تقديره الاستراتيجي" محددات وسيناريوهات الموقف الصيني من الحرب الإسرائيلية – الأمريكية على إيران"، الصادر عن مركز الزيتونة للدراسات والاستشارات في أبريل/ نيسان 2026، من فكرة أن بكين حليف عقائدي لطهران، بل من تصور أكثر براغماتية فالصين لا تدافع عن إيران بقدر ما تدافع عن مصالحها الكبرى الممتدة من الطاقة إلى مشروع" الحزام والطريق" وحتى صراعها العالمي مع الولايات المتحدة.
الدراسة ترفض النظر إلى الموقف الصيني بوصفه موقفًا أخلاقيًا أو أيديولوجيًا، وتعيده إلى شبكة معقدة من الحسابات.
فإيران بالنسبة لبكين ليست مجرد دولة شرق أوسطية، بل" عقدة جيوسياسية" داخل مشروعها العالمي، وخسارتها – وفق منطق الدراسة – لا تعني فقط سقوط حليف، وإنما انهيار جزء من التصور الصيني للنظام الدولي الجديد.
تاريخ العلاقة الصينية الإيرانيةاتّسم موقف جمهورية الصين الشعبية من الثورة الإسلامية في إيران بالبراجماتية، بحسب الدراسة، حيث حافظت على علاقاتها الديبلوماسية مع إيران، على الرغم من الاختلاف الأيديولوجي الكبير بين الشيوعية الصينية والنظام الإسلامي الثوري.
list 1 of 2الذكاء الاصطناعي قاتل في الحرب على غزةlist 2 of 2صدور العدد 30 من لباب.
الحرب على إيران وتحولات النظام الدوليوخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) حاولت بكين الحفاظ على سياسة متوازنة، إذ أقامت علاقات مع كلّ من إيران والعراق، وإن كانت أقامت علاقات عسكرية مع كِلا الطرفين وبدرجات مختلفة، لكنها أبقت على خطابها القائم على مبدأ سيادة الدول وعدم التدخّل في شؤونها والحفاظ على استقرارها.
كما حافظت بكين على قنوات اتصال فاعلة مع إيران، ورفضت كافة المساعي الغربية الرامية لعزل أو إسقاط النظام الإيراني، واستمرت في خطابها الذي يدافع عن مبدأ “سيادة الدول”أكثر ما يلفت في الدراسة أنها تضع الطاقة في قلب الحسابات الصينية، لا باعتبارها ملفًا اقتصاديًا فحسب، بل قضية أمن قومي.
فالصين، بحسب الدراسة، تستحوذ على نحو 90% من صادرات النفط الإيراني، وتستورد ما بين 1.
2 و1.
5 مليون برميل يوميًا بأسعار تفضيلية، في ظل العقوبات الغربية.
لكن القضية ليست مجرد نفط رخيص.
فبكين، كما يشرح بلعاوي، تنظر إلى إيران باعتبارها فرصة لفك جزء من اعتمادها على المسارات البحرية التي يمكن للولايات المتحدة التحكم بها.
ولهذا تندمج إيران داخل مشروع" الحزام والطريق" بوصفها ممرًا بريًا حيويًا يصل الصين بآسيا الوسطى ثم الشرق الأوسط وأوروبا.
ومن هنا تصبح الحرب على إيران، في الحسابات الصينية، أكثر من أزمة إقليمية؛ إنها تهديد مباشر لفكرة" الجسر الأوراسي" التي تريد بكين بناءها لتقليل هيمنة الغرب على طرق التجارة العالمية.
بكين تخشى" الضربة الاستباقية"أحد أكثر أجزاء الدراسة أهمية هو تفسيرها للحساسية الصينية تجاه الضربات الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران.
فالقضية، من وجهة نظر بكين، لا تتعلق بطهران وحدها، بل بالخوف من تحويل" الضربات الاستباقية" إلى عرف دولي مشروع.
فإذا أصبح من المقبول دوليًا ضرب دولة بحجة" التهديد المحتمل"، فإن الصين ترى أن المنطق نفسه قد يُستخدم لاحقًا ضدها في بحر الصين الجنوبي أو تايوان.
ولهذا تحاول بكين، كما تشير الدراسة، خوض معركة قانونية وسياسية داخل مجلس الأمن والأمم المتحدة لمنع تكريس هذا النموذج.
وتنقل الدراسة عن الموقف الصيني رفضه استخدام المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة كـ" شيك مفتوح" لتبرير الضربات الوقائية، مع توصيف بكين للعقوبات الغربية بأنها شكل من" الإرهاب الاقتصادي".
تريد إيران.
دون خسارة الخليجالدراسة تلتقط بدقة المأزق الحقيقي في السياسة الصينية: بكين تحتاج إيران، لكنها لا تستطيع التضحية بالخليج العربي من أجلها.
فحجم التبادل التجاري الصيني مع دول الخليج يتجاوز 300 مليار دولار، فيما تمثل السعودية والإمارات شريكين اقتصاديين وتكنولوجيين أكبر بكثير من السوق الإيرانية المثقلة بالعقوبات.
ولهذا لا تريد الصين الانخراط في محور صدامي واضح.
فهي تحاول الحفاظ على معادلة دقيقة: منع انهيار إيران، دون استفزاز الخليج، والاستفادة من النفط الإيراني الرخيص، دون خسارة الأسواق الخليجية العملاقة.
ومن هنا تفهم الدراسة الدور الصيني في رعاية المصالحة السعودية – الإيرانية عام 2023، باعتباره جزءًا من سياسة" تصفير المخاطر" المحيطة بأمن الطاقة الصيني، لا مجرد نجاح دبلوماسي رمزي.
ورغم الحذر الصيني، ترى الدراسة أن بكين تنظر إلى الحرب من زاوية أخرى أقل ظهورًا: استنزاف الولايات المتحدة.
فكلما انغمست واشنطن أكثر في الشرق الأوسط، تراجع تركيزها على شرق آسيا وتايوان وبحر الصين الجنوبي.
ولهذا تبدو الصين، بحسب الدراسة، مستفيدة ضمنيًا من انشغال الولايات المتحدة بحرب طويلة تستنزف مواردها وتشتت أولوياتها الاستراتيجية.
لكن هذا الاستنزاف له حدود.
فالصين لا تريد سقوط النظام الإيراني، لأن انهياره يعني تهديدًا مباشرًا لمشروعاتها، وانقطاعًا محتملًا للطاقة، وفتح المنطقة على فوضى يصعب التحكم بها.
من أكثر النقاط إثارة في الدراسة حديثها عن الدعم الصيني غير المباشر لإيران.
فبكين، كما يرى الباحث، لا تريد التورط العسكري العلني، لكنها تفتح لإيران مجالات واسعة من التعاون التقني والاستخباراتي.
وتتوقف الدراسة خصوصًا عند نظام الملاحة الصيني" بيدو"، بوصفه بديلًا لـGPS الأمريكي، وما يمكن أن يتيحه لإيران من استقلالية في توجيه الصواريخ والطائرات المسيّرة بعيدًا عن احتمالات التشويش الغربي.
كما تشير إلى التعاون في مجالات الدفاع السيبراني وتبادل المعلومات.
وهنا تبدو الصين وكأنها تحاول خوض الحرب من خلف الستار: لا مشاركة مباشرة، لكن توفير أدوات تجعل طهران أكثر قدرة على الصمود.
على الرغم من تجنّب الانخراط العسكري الصريح، إلا أنّ الموقف الصيني الرسمي يوفّر لطهران هوامش أمام “التعاون الأمني والتقني”، يتمثّل ذلك في التعاون الاستخباراتي، والدفاع السيبراني، والأهم من ذلك: إتاحة الوصول إلى شبكة الأقمار الصناعية الصينية للملاحة “بيدو”، البديل لنظام تحديد المواقع العالمية GPS الأمريكي، والذي يمنح الترسانة الصاروخية والطائرات المسيرة الإيرانية استقلالية وحصانة ضدّ محاولات التشويش الغربية.
وترى بكين أنّ دعم القدرات الدفاعية لإيران (في إطار اتفاقية الـ 25 عاماً) هو حقّ مشروع للدفاع عن النفس، وهو ما يمثّل رداً صينياً غير مباشر على الدعم الأمريكي المطلق لـ”إسرائيل” في هذه المواجهة.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك