لم يكن صباح ذلك اليوم يختلف عن غيره في حياة" وحيد متولي" الشاب المكافح إبن قرية الدبايبة التابعة لمركز بركة السبع بالمنوفية، ذلك الشاب الذي اعتاد أن يطارد الرزق بين جدران العمل صباحاً، وفوق مقعد" التوكتوك" مساءً، كان وحيد يسابق الزمن لتوفير ثمن الدواء لوالدته التي ينهش السرطان جسدها، ولتأمين لقمة العيش لصغاره الثلاثة الذين ينتظرون عودته بلهفة، لكن القدر كان يخبئ له موعداً في" بركة السبع"، ليتحول من مجرد كادح يسعى لرزقه إلى بطلٍ تروى سيرته بين الناس.
عند مزلقان بركة السبع، توقف الزمن فجأة على صرخة صامتة أطلقها مشهد مراهقة صغيرة تحاول عبور القضبان بينما القطار يقترب كوحش حديدي لا يرحم أثناء مرور وحيد، في تلك اللحظة، لم يحسب وحيد حساباً لبيته المفتوح، ولا لأطفاله الذين سييتمون، ولا لوالدته المريضة التي سيفقدها" سندها" الوحيد، قفز بإرادته دافعاً الفتاة بيديه بعيداً عن المسار، لتكون تلك الدفعة هي آخر عهده بالحياة، وقربان الخلود الذي قدمه طواعية.
رحل وحيد، وترك خلفه أسرة مكلومة تعيش مرارة الفقد وضيق ذات اليد، رحل" زهرة شباب الدبايبة" تاركاً زوجة شابة، وثلاثة أطفال، وأماً مريضة كانت ترى الدنيا بعينيه، ورغم أن الفتاة التي حاول إنقاذها قد فارقت الحياة هي الأخرى لاحقاً، إلا أن محاولة وحيد بقيت شاهدة على معدن أصيل لا يصدأ، ليبقى اسمه في سجلات" شهداء الشهامة" الذين ضحوا بأنفسهم ليمنحوا غيرهم فرصة للنجاة.
حالة من الصدمة والحزن تعيشها قرية الدبايبة التى تبكي ابنها البار صاحب السيرة الطيبة، لم يترك وحيد عقارات أو أموالاً، بل ترك إرثاً من الكرامة والإيثار، وقصة ستحكيها الأجيال عن الشاب الذي لم يتردد في أن يدفع حياته ثمناً لإنقاذ حياة شابة غريبة لم يعرفها يوم، مؤكداً أن" الجدعنة" المصرية ما زالت حية، حتى لو كان الثمن هو الرحيل.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك