من بيت العلم إلى طريق الدعوة (3-6).
الشيخ مصطفى السباعي وفلسطين: بين الجهاد الميداني وبناء الوعي الدعويلم تكن فلسطين في وجدان الشيخ مصطفى السباعي قضيةً عابرة، ولا شعارًا يُرفع في الخطب، بل كانت جرحًا حيًّا يسكن القلب، وعقيدةً تتحرك في الفكر، وميدانًا يتجسد فيه الإيمان عملًا وجهادًا.
لقد حملها في دمه كما يحمل المؤمن رسالته، فكانت جزءًا من تكوينه العلمي والدعوي، ومحرّكًا أساسيًا لمسيرته في الحياة.
نشأ السباعي في بيئةٍ علميةٍ أصيلة، تربّى فيها على معاني الدين والالتزام، فاجتمع له الفهم العميق للنصوص الشرعية مع الحسّ الحيّ بقضايا الأمة.
ولم يلبث أن أدرك مبكرًا أن العلم إن لم يتحول إلى عمل، والدعوة إن لم تتصل بواقع الناس، فإنها تبقى ناقصة الأثر.
ومن هنا جاءت فلسطين لتكون الميدان الذي تتجلى فيه هذه الرؤية؛ ميدانًا يجمع بين الكلمة والموقف، وبين الفكر والجهاد.
وعندما اشتعلت الأحداث في فلسطين، لم يقف السباعي موقف المتفرج، بل كان من الذين بادروا إلى الفعل، فشارك في الجهاد إلى جانب المجاهدين، معبرًا عن فهمٍ عميقٍ لمعنى النصرة في الإسلام، حيث لا تنفصل العقيدة عن الواقع، ولا ينفصل العلم عن التضحية.
لقد أدرك أن فلسطين ليست مجرد أرضٍ محتلة، بل رمزٌ لكرامة الأمة، ومقياسٌ لصدق انتمائها لدينها.
ولم يكن جهاده مقتصرًا على الميدان العسكري، بل امتد إلى ميدان الفكر والتربية؛ إذ عمل على بناء وعيٍ إسلاميٍّ يربط الأجيال بقضيتها الكبرى، ويُنشئها على معاني المسؤولية والالتزام.
فكان يكتب ويخطب ويعلّم، مؤكدًا أن تحرير الأرض يبدأ بتحرير الإنسان، وأن النصر لا يكون إلا بعودة الأمة إلى دينها وقيمها.
وفي كتاباته وخطبه، كانت فلسطين حاضرةً بوصفها قضيةً مركزية، لا تقبل التهميش ولا التأجيل.
وكان يرى أن معركتها ليست معركة شعبٍ وحده، بل معركة أمةٍ بأكملها، وأن التخاذل عنها ليس مجرد تقصيرٍ سياسي، بل خللٌ في الفهم والوعي والالتزام.
ومن هنا دعا إلى وحدة الصف، وإحياء روح الجهاد، وبناء الإنسان المسلم القادر على حمل الأمانة.
لقد جمع السباعي بين صفات العالم والمجاهد والمربّي، فكان نموذجًا فريدًا في زمانه؛ عالمًا لا ينعزل في كتبه، ومجاهدًا لا ينفصل عن فكره، ومصلحًا يرى في كل جهدٍ خطوةً نحو نهضة الأمة.
ولذلك بقي أثره ممتدًا بعد وفاته، حيًّا في الفكر والحركة، وفي كل من تأثر بمنهجه وسار على دربه.
إن صفحات جهاد مصطفى السباعي مع فلسطين ليست مجرد تاريخٍ يُروى، بل هي درسٌ متجددٌ في معنى الالتزام، ونموذجٌ يُحتذى في الجمع بين العلم والعمل، وبين الدعوة والجهاد.
وفي زمنٍ كثرت فيه الشعارات وقلّ فيه الفعل، تبقى سيرته شاهدًا على أن الأمة لا تُبنى بالكلام وحده، بل بالرجال الذين يحملون قضاياها في دمائهم، ويترجمونها واقعًا حيًّا في حياتهم.
المراجع • هكذا علمتني الحياة، مصطفى السباعي، 1962، دار الوراق، دمشق.
• السيرة الذاتية للشيخ مصطفى السباعي، عدنان سعد الدين، 1990، دار القلم، دمشق.
• مصطفى السباعي: الداعية المجاهد، محمد عمارة، 1998، دار الشروق، القاهرة.
• الإخوان المسلمون في سوريا: دراسة تاريخية، محمود عبد الحليم، 1980، دار الدعوة، القاهرة.
• أعلام من الدعوة والحركة الإسلامية المعاصرة، محمد أحمد الراشد، 2001، دار ابن كثير، دمشق.
• دور العلماء في الجهاد الإسلامي المعاصر، يوسف القرضاوي، 2005، مكتبة وهبة، القاهرة.
• فلسطين في فكر قادة الحركة الإسلامية، مجموعة باحثين، 2010، مركز الزيتونة للدراسات، بيروت.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك