تثير مباريات كأس العالم لكرة القدم 2026 الجدل مع اقتراب موعد انطلاقها في 11 الشهر المقبل (يونيو/ حزيران)، في خضمّ عاصفة من الفوضى الجيوسياسية والدبلوماسية، وتساؤلات متصاعدة عن التناقض بين مبادئ الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) وفكرة الرياضة بوصفها ظاهرةً متعدّدة الجوانب، في ظلّ حجم تكيّف الدورة الحالية، التي ستقام في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، مع سياسة أبرز المضيفين لها، الرئيس الأميركي دونالد ترامب، الذي يفعل ما يريد ويعلن الحرب على القواعد.
وتبدو هذه النسخة إعلاناً أميركياً ضخماً، وسيتعيّن على العالم أن يقبل بروح رياضية بأنّ" ترامب يستحقّ جائزة نوبل للأمم"، في استثمار العولمة الرياضية، وتكثيف جهود الاستثمار في الصورة، على نحو متناقض مع ما أعلنه رئيس" فيفا"، جاني إيفانتينو، في خطابه الطويل في نوفمبر/ تشرين الثاني 2022، الذي ألقاه عند افتتاح النسخة السابقة في قطر (2022)، حول الحياد السياسي والتسامح، وأنّه يعتبر نفسه عربياً وأفريقياً وعاطلاً ومهاجراً.
وهو يسعى حالياً إلى أن تكون تصريحاته متوافقةً مع ذائقة مُضيفه الأقوى، الذي يخوض حروبه ونزاعاته التجارية مع العالم، وصراعاته ضدّ المهاجرين، ويظهر ازدراءه تجاه أفريقيا، ويستهزئ بذوي الإعاقة.
فيلجأ إنفانتينو إلى الإكثار من علامات التكريم والمديح، وإصدار جائزة سلام عالمية ذات أبعاد سياسية صريحة ومنحها لترامب، ليس فيها أيّ إشارة إلى التعايش، موافقاً على شروط الدخول إلى الأراضي الأميركية، مع منع وصول مواطنين من دول إسلامية وروسيا وإيران والسنغال وكوت ديفوار وهايتي.
مع ذلك، يبدّد الرجل نفسُه، الذي قال خلال كأس العالم التي نظّمتها روسيا عام 2018: " كأس العالم ليست حدثاً سياسياً، ويجب ألّا تكون كذلك".
ولكنه يبدّد نزاهتَه وسمعةَ كرة القدم و" فيفا"، بدعمه أجندة ترامب السياسية، وهيمنة أميركا على الرياضة، واعداً في حسابه على" إنستغرام"، بأنّه سيفعل ما وسعه لإرضاء مضيفه الأميركي، فيما كان يدّعي سابقاً أنّه يضمن الحيادية السياسية والوصول بالشمولية إلى البطولة.
وقد أعلنت لجنة الأخلاقيات في" فيفا" أنّ دعم إنفانتينو هذا النوع من السياسة يعرّض النزاهة للخطر، إذ تتجنّب المؤسّسة أيّ وضع يزعزع استقلاليتها عن زعماء الدول، بالنظر إلى التوتّرات الجيوسياسية أخيراً في بيئة غير مؤكَّدة وغير مريحة.
فالجائزة مُنحت من دون موافقة المجلس، وفي غياب أيّ هياكل حوكمة واضحة.
وقانونياً، تقدّمت" فيرسكوبر" الحقوقية البريطانية بشكوى إلى لجنة الأخلاقيات، تندّد فيها بدور إنفانتينو في إنشاء الجائزة ومنحها إلى ترامب.
وقد أثارت الخطوة انتقادات واسعة، ولا سيّما أنّ معايير الجائزة لم تحدّد علناً، بما أذكى الاتهامات بأنّها صيغت من أجل ترامب تقديراً لاستضافة الولايات المتحدة البطولة، ولا سيّما أنّ الجائزة من مهام معهد نوبل للسلام في أوسلو، وتأتي بعد هجوم عسكري على فنزويلا، والحرب على إيران، وحرب الإبادة التي قامت بها إسرائيل في غزّة وبدعم أميركي.
ومنح الجائزة يعني، في هذا السياق، استهزاء" فيفا" بقيم الحدث الأكبر، ومساعي جعل كرة القدم قوّةً دافعةً نحو التغيير الإيجابي والسلمي، في زمن الحرب والأزمات والمناداة بحقوق الإنسان، في عرض حافل بالنجوم والملاعب.
ولدى العديد من البلدان فرق رياضية كاملة، وتنفق مبالغ كبيرة لجعل لاعبيها قادرين على المنافسة في بيئة آمنة.
وهناك من يريد خطف الأضواء بعلامات وأشياء غير كروية، وبتصريحات سياسية، من خلال تبنّي سياسات ترامب الشخصية وتهيّباً منه، وهو ليس بالأمر الجديد، فقد سبق أن انتقد ترامب رياضيين بسبب مواقف تنتقد إدارته.
في المقابل، دافع البيت الأبيض عن استحقاق الرئيس للجائزة بوضعه" سياسة السلام من خلال القوة"، التي أسهمت في إنهاء ثماني نزاعات في أقلّ من عام.
كأنّ كأس العالم ستكون تجسيداً لـ" أميركا أولاً" و" الأعمال أولاً"، وبمثابة صورة من الاقتصاد الأميركي بسرعتَين: النمو الديناميكي الذي ارتفع بنسبة 4.
3%، والمستوى الاقتصادي الآخر الذي يخفي خلفه الانقسام والتباطؤ على مستوى الاستهلاك.
لذلك، تبدو المناسبة واحدةً من أقلّ البطولات وصولاً من حيث المشاركة الجماهيرية، فيما يتحوّل الحدث البارز في أكثر الرياضات شعبيةً في العالم إلى مناسبة للأثرياء فقط.
فتتعارض أسعار التذاكر، التي ارتفعت ثلاث مرّات مقارنةً بالنسخة السابقة في قطر، مع الوعد الذي قدّم عند تقديم طلب الاستضافة، كما أنّ تكاليف الإقامة والنقل تبدو باهظةً، خاصّةً أنّ البطولة ستقام في ثلاثة بلدان.
تعتمد الولايات المتحدة على تطوير دبلوماسيتها الرياضية لإظهار قوة النظام، والتأثير في النُّخب والشباب الأميركي والرأي العام في بلدان أخرىوتتوقّع" فيفا" أن تحقّق كأس العالم، بمشاركة 48 فريقاً بدلاً من 32، ضعف الإيرادات، مقارنةً بالنسخة التي نظّمت في قطر، مع أكثر من 13 مليار دولار من العائدات خلال أربع سنوات من التحضير.
وتتنافس أميركا 2026 على صورة تنظيم كأس العالم والمشاركة الواسعة، مناسبةً لتعزيز هيمنة إدارة ترامب السياسية، مع تحوّل بث مباريات كرة القدم إلى تأثير استراتيجي متزايد، والسعي إلى اكتساب الكرة شهرةً شعبيةً في أميركا بعد سيطرة أوروبية طويلة.
فتطرح النسخة الأميركية كثيراً من المسائل التنظيمية واللوجستية، والتحوّل إلى ميادين تجارية ومالية في حرب الشاشات، وسوق الشركات الرياضية، والتصاعد التكنولوجي.
ومن المتوقّع أن ترتفع مبيعات أجهزة التلفزيون والعلامات التجارية والإعلانات الدعائية والحصص السوقية لشاشات أدقّ بشكل متزايد، من دون حافات.
تاريخياً، كانت الرياضة إحدى الوسائل التي اعتُمدت خلال الحرب الباردة، في مقاطعة دورة الألعاب الأولمبية في موسكو عام 1980، وردّ الاتحاد السوفييتي بمقاطعة دورة لوس أنجليس عام 1984.
واليوم تعتمد الولايات المتحدة على تطوير دبلوماسيتها الرياضية لإظهار قوة النظام، والتأثير في النُّخب والشباب الأميركي والرأي العام في بلدان أخرى.
لكن" الرياضة هي الحرب" في أشكالها الأخرى عند ترامب وفريقه، في توليد الشعور القومي، وما يثير كره الآخرين والمشاعر الغاضبة تجاه المهاجرين لدى الجماهير، لجعلها تنخرط في منظومة المصالح الأميركية، في حين أنّ الانسجام الرياضي، في" السلم"، هو أداة رمزية وسلمية تسمح بالتقريب بين الشعوب، وأداة دبلوماسية للتقارب في العلاقات الدولية، والقدرة على تحويل القيم الرياضية إلى صور وأصوات ومشاعر مشتركة، في لحظة من الإدماج واللقاء.
يبدّد إيفانتينو نزاهته وسمعة كرة القدم و" فيفا"، بدعمه أجندة ترامب السياسيةوقد أثبتت الرياضة قدرتها في هذا الصدد حين دفعت اللجنةُ الأولمبية دولةَ الاحتلال الإسرائيلي إلى رفع قيودها عن الرياضيين الفلسطينيين، وهي خطوة لم تستطع الأمم المتحدة فرضها.
واليوم، مشاركة الرياضيين الإيرانيين موضع خلاف في كأس العالم بحجّة مواقفهم السياسية، على غرار المسؤولين السياسيين، ما يجعل الرياضة جزءاً من الجغرافيا السياسية، واختباراً للخلاف والاستقطاب في العلاقة بين الرياضة والسياسة الدولية.
لذلك، يبقى دور" فيفا"، على المستوى المؤسّسي والتنظيمي، في الحفاظ على أبعاد اللعبة المتعدّدة بوصفها آليةً من أدوات القوة اللينة والتأثير السياسي والاقتصادي وبناء الهُويّات الوطنية، وفي تصافح أبطال من بلدان بينها صدامات جيوسياسية، وبألّا تُستخدم كرة القدم منصّةً للتعبير عن المواقف السياسية، فتحافظ على استقلالها.
وفي هذا الإطار، يقدّم إيفانتينو أداءً ضعيفاً، ويُخشى أن تأتي المناسبة بنتائج عكسية، وبمزيد من المطالبات السياسية في تنظيم مثل هذه المسابقات الكُبرى، في ما يتجاوز حدود الترفيه والتسلية، والسياحة الباردة، والملاعب، والصور.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك