Independent عربية - رئيس وزراء الصومال السابق: قوات حكومية هاجمتني في مقديشو CNN بالعربية - بين شعارات الفِرق والتطريز.. مصمم بريطاني يحوّل القمصان الرياضية إلى أعمال فنية روسيا اليوم - جلسة الشؤون الخارجية بالكونغرس تتحول إلى سجال حول حذاء الوزير (فيديو) وكالة الأناضول - سيول.. وزير خارجية تركيا يلتقي نظيره الكوري الجنوبي روسيا اليوم - إيران تحيي الذكرى السابعة والثلاثين لرحيل الإمام الخميني Independent عربية - غارات على جنوب لبنان بعد ساعات على التوصل لوقف مشروط لإطلاق النار وكالة الأناضول - ترامب يتحدث عن احتمال التوصل لاتفاق مع إيران نهاية الأسبوع التلفزيون العربي - الجيش الأميركي يعلن مقتل شخصين باستهداف قارب في المحيط الهادىء CNN بالعربية - الكويت.. تداول فيديو يرصد تعامل الدفاعات الجوية مع صواريخ والداخلية تتحرك روسيا اليوم - فنلندا: كنا مستعدين لإسقاط المسيّرات الأوكرانية المتجهة نحو بطرسبورغ الروسية
عامة

مريم التوزاني: "هوياتنا تتشكّل من تراكم لقاءات وأماكن تعكس غناها"

العربي الجديد
العربي الجديد منذ 3 أسابيع
2

(*) كيف جاءت فكرة تصوير فيلم بطنجة، مسقط رأسك، واختيار الأماكن التي صوّرتِ فيها" زنقة مالقة"؟اخترت طنجة بشكل غير واع، لأني كتبت قصة الفيلم بعد وفاة والدتي. هذا حدث عصيب عشته. إنه بمثابة تمزّق، فقدتُ...

ملخص مرصد
تحدثت المخرجة مريم التوزاني عن فيلمها الجديد 'زنقة مالقة' الذي صورته في طنجة مسقط رأسها، مستوحى من وفاة والدتها. ركزت على تصوير الأماكن والأغراض التي تحمل ذكريات عائلية، مثل جهاز الأسطوانات والمهباج النحاسي، معتبرة أن هوياتنا تتشكل من تراكم لقاءات وأماكن. كما ناقشت علاقتها بالموسيقى التصويرية، التي تختارها بدافع عاطفي لا إرادي، مثل أغنية 'كع كع يا زوبيدا' التي ظهرت أثناء كتابة الفيلم.
  • فيلم 'زنقة مالقة' صور في طنجة مستوحى من وفاة والدة المخرجة مريم التوزاني
  • اختارت تصوير أغراض منزلية مثل جهاز الأسطوانات والمهباج النحاسي لرمزية الذكريات العائلية
  • الموسيقى التصويرية تختارها بدافع عاطفي، مثل أغنية 'كع كع يا زوبيدا' التي ظهرت أثناء الكتابة
من: مريم التوزاني أين: طنجة، زنقة مالقة، زنقة إيطاليا

(*) كيف جاءت فكرة تصوير فيلم بطنجة، مسقط رأسك، واختيار الأماكن التي صوّرتِ فيها" زنقة مالقة"؟اخترت طنجة بشكل غير واع، لأني كتبت قصة الفيلم بعد وفاة والدتي.

هذا حدث عصيب عشته.

إنه بمثابة تمزّق، فقدتُ فيه جزءاً من ذاتي، لأن علاقتي بوالدتي قوية، ولأن الأمر برمّته حدث بشكل غير متوقع.

الفيلم لي فرصة لأمسك بما أحسست به آنذاك، وأحوّله بطريقة ما.

أحب طنجة، وأهيم في فضاءاتها.

إنها تمثل في عيني الأم والمنزل، والعودة إليها من دون أمي لم أتصوّر أن أطيقه.

إنجاز فيلم مهمة صعبة، لا يمكن تأجيلها، أو إخبار فريق تصوير كبير ينتظرك أنك عاجز عن المواصلة.

والدتي أوصتني دائماً بتجاوز المصاعب، وهذا ما فعلت.

مسحت دموعي، ومضيت في تصوير الذكريات التي جمعتني بوالديّ في كل ركن من طنجة، بنظرة الحب نفسها التي كنت أراهما بها في حياتهما.

الفيلم فرصة لمواجهة الغياب وعدم الاختباء منه.

ثم إن والدتي نشأت في زنقة مالقة، لكني لم أصوّر فيها لأن شكلها تبدّل بعد إنشاء عمارات، كما أنها لم تعد حيّة كما كانت في ذاكرتي.

بدلاً من ذلك، صوّرت في زنقة إيطاليا، لأني كنت أرافق والدتي إليها للتسوّق، وأعرف التجار هناك، مع صعوبة العودة إلى مكان تجمعك به ذكريات سعيدة مع أناس تحبهم، لكن في غيابهم.

أردت أيضاً أن يستشعر الناس طنجة كما خبرتها، أي مكاناً يتيح التعايش والرأفة بالآخر.

جدتي إسبانية كاثوليكية، لم تلق يوماً مشكلة في العيش مع الناس بسلام واحترام تام للمعتقدات.

لحسن الحظ، هذا الجو لا يزال حاضراً في قلب طنجة، والفيلم رسالة حب لهذه المدينة عبر نظرة ماريا، ومدى تشبّثها بها.

هناك إسبان كثيرون يصرّون على البقاء فيها، إلى أن يفارقوا الحياة، وليس في مكان آخر، رغم رحيل أبنائهم إلى إسبانيا.

تلقيت ملاحظات من أناس يقولون إن أفلاماً مغربية كثيرة تدور حول شخصيات ترغب في الهجرة من البلد، وهذا عمل حول سيدة متشبثة بالبقاء فيه.

(*) كيف تتمكنين من بناء قصصك في علاقة مع فضاء الشارع، الذي يحتل مكانة بارزة في أفلامك السينمائية، منذ القصير الثاني" آية والبحر"؟ضروري أن أعيش مع البيئة المحيطة بي.

لذا، قبل تصوير أي فيلم، أحرص على تمضية وقت في البيئة التي سأصوّر فيها.

هذا يمثل مصدر إلهام لي أيضاً.

أي إن الأشخاص الذين ألتقيهم في الشارع، والأصوات والروائح، كلها تلهمني، وأريدها جزءاً لا يتجزأ من القصة.

أحب الجانب الداخلي للشخصيات، أي ما يدور في منازلهم ودواخلهم، لكن أيضاً كل ما تمنحهم إياه بيئتهم.

ولعل هذا سبب أني أحب الصمت في أفلامي، كونه يسمح بسماع أشياء لا ننصت إليها عادة: الجيران، الأطفال الذين يركضون في الشارع.

هذه أشياء تغذي القصة، وتروي بشكل طبيعي حياة الشخصيات.

(*) تهتمين كثيراً بتصوير الأشياء عن قرب.

هل الإكسسوارات التي نراها في الفيلم شخصية؟نعم.

مثلاً: جهاز تشغيل الأسطوانات لوالديّ.

عُرضت عليّ أجهزة عدّة، ووافقت على أحدها.

لكن، في اللحظة الأخيرة، قلت إني أحتاج إلى تصوير جهاز والديّ، لأنه يجسد ذكرياتي.

المهباج النحاسي ملك جدتي الكبرى، التي أورثته لابنتها، والأخيرة لأمي.

إنه أيضاً فيلم عن التوريث.

أعتقد أن هوياتنا نحن البشر تستند إلى أمور عدّة، وتتشكّل من تراكم لقاءات وأماكن تعكس غناها، وتتكوّن عبر أغراض وأدوات ملأت حياتنا.

منزل ماريا أنخيليس انعكاس لها، وكل أغراضها موجودة هناك لسبب معين.

كل غرض مرتبط بذكرى محدّدة.

ربما أنا نوستالجية إلى حدّ ما، لكني أجد أن لهذه الأشياء روحاً.

جدران المنزل ليست مجرد جدران، بل شاهدة على أحداث تحملها في ذاكرتها.

لذا، أبحث طويلاً عن المكان الذي سأصوّر فيه.

أحتاج إلى الشعور بتلك الروح، ولا أرغب في التصوير باستديو لا قصة له.

الأمر نفسه ينطبق على الأشياء.

ألبومات صغيرة على الرف شاهدة على حياة كاملة.

لو بوسعها النطق، لحكت أشياء كثيرة.

مهمّ الحديث عن الشعور بالانتماء.

ما الذي يجعلنا نشعر أننا ننتمي إلى مكان ما؟ أعتقد أنه كلما تقدّمنا في العمر، زاد وعينا بهذه الأمور.

لكن، عندما تبلغ المرأة سناً معينة، نعتقد أنه ينبغي أن تكبت جانبها الحسي.

لماذا؟ في مشهد ماريا تنظر في المرآة، وترى صورتها شابة، وتقرنها بصورتها امرأة مسنّة: ما أعنيه أنها في الواقع الشخص نفسه، وأن جوهرها لم يتغير.

ربما هناك أشياء لا تزال تثيرها.

لماذا تصبح هذه الأشياء فجأة من المحرّمات، ولا يمكنها التحدث عنها؟(*) إنه فيلم عن الوحدة أيضاً.

تذكرت" أومبرتو دي" لفيتوريو دي سيكا عندما رأيت كارمن وحيدة على مقعد عمومي في المقبرة.

بالتأكيد.

إنه عن امرأة ظلّت وحيدة إلى حدّ ما، لكنها وجدت انتماءها إلى مدينتها.

في المقبرة، تجد السكينة، لأنها تشعر هناك بالسلام مع فكرة الغياب، وأنها ستموت يوماً ما.

أعتقد أننا عندما نكون بسلام مع الموت، نستطيع أن نكون بسلام مع الحياة أيضاً.

(*) يُعدّ الحِداد موضوعاً أساسياً لأفلامك، منذ البداية.

الحِداد يتخلّل أفلامي، منذ" الليلة الأخيرة"، باستثناء" آية والبحر".

في" آدم"، هناك امرأة تستقبل ضيفة، لكنها لم تتمكّن بعد من تجاوز حزنها.

في" أزرق القفطان"، هناك امرأة تحتضر، فتُطرح مسألة تقرر تركها عند موتها.

أما في" زنقة مالقة"، فهناك ذكرى أولئك الذين رحلوا.

المقبرة التي نراها هي نفسها المقبرة التي دُفنت فيها جدتي.

لطالما حضر الحزن والذكرى والموت في أفلامي، لأن السينما دائماً لي وسيلة لتضميد جراحي، ولإيجاد معنى للحياة عبر طرح تساؤلات.

(*) لاحظت أن الفكاهة في أفلامك تتزايد تدريجياً.

حتى" زنقة مالقة"، الذي يمكن وصفه بكوميديا درامية بحتة.

كيف تفسرين ذلك؟في ما يخص هذا الفيلم، السبب واضح في ذهني.

عملية الكتابة مؤلمة جداً لي.

كانت فترة بكيت فيها كثيراً في أثناء الكتابة، وكنت في حاجة إلى الضحك، كما أعتقد.

لذا، كنت أغمض عيني في الليل أحياناً، وأذهب مع ماريا أنخيليس إلى أماكن عدّة، ومواقف مختلفة.

أحياناً، كان ذلك يجعلني أبكي، وأحياناً أخرى كانت المواقف تجعلني أضحك.

في اليوم التالي، أستيقظ وأكتب.

أعتقد أني كنت في حاجة ماسة إلى الفكاهة نظراً إلى ما أشعر به في داخلي.

كما أعتقد أن الحياة عبارة عن مزيج من الضحك والدموع، لحظات تتعاقب، وتختلط تماماً أحياناً.

هذا تعبير طبيعي.

لم أقل لنفسي أبداً: سأصنع فيلماً فيه مشاهد مضحكة أكثر.

أو: هذه المرة، سأحاول إضحاك الجمهور.

لم يكن الأمر كذلك أبداً.

أستجيب دائماً إلى شيء يأتي من داخلي.

(*) هل اختيار كارمن مورا وأحمد بولان لتأدية الدورين الرئيسيين واضح في ذهنك منذ الكتابة، أم أجريت كاستينغ؟صراحة، لم أفكر فيهما للدورين في البداية.

أجريت كاستينغ وتجارب، وأخذت الوقت اللازم لأني أحتاج إلى ترك الأشياء تنضج، ورؤية الممثلين مع إعادة التفكير في الكتابة، للإحساس بمكامن اللقاء بينهما، وكيفية خلق كيمياء تجمعهما.

تجربة إدارة أحمد بولان جيدة، لأنه منفتح، كما أنه نجح في التخلص من خلفيته مخرجاً، ليعانق دوره ممثلاً.

قام بمجهود كبير لبلوغ ما أتخيله.

الحقيقة أنه احترافي للغاية في أداء دوره، ومستعد للقيام ببحث لتطوير الشخصية التي أداها.

جاءت كارمن لتعيش بطنجة بضعة أسابيع قبل بدء التصوير.

لم يكن هدفي فقط أن تحضر ممثلة إسبانية، وأصوّرها.

أردتها أن تعرف طنجة، وتستوعب جيداً لماذا أرغب في تصوير الفيلم، ولماذا لدى شخصيتها حبٌّ عارم لهذه المدينة.

أقامت بالزنقة نفسها التي صوّرنا فيها، لتعيش أجواءها.

أنشأت علاقة بمحيطها، لأني رغبت في أن تكون الأشياء حقيقية ومرتبطة بما تدافع عنه وتمثله ماريا أنخيليس.

لذا، كانت كارمن تقول لي: " لو لم أكن في الثمانين من عمري، لاقتنيت منزلاً بطنجة" (ضحك).

(*) هل يعود الحضور القليل للدارجة المغربية إلى كون الممثلة الرئيسية إسبانية، أم أن الاختيار مقصودٌ منك؟كثيرون ممن شكلوا المجتمع الإسباني الصغير بطنجة لا يتحدثون الدارجة المغربية.

من جهة أخرى، أغلبية الطنجاويين تفهم اللغة الإسبانية، وجزء كبير منهم يتحدثها.

أتذكر في صغري أننا كنا نشاهد القنوات التلفزيونية الإسبانية، إلى بداية انتشار القنوات الفضائية.

كان الطنجاويون يشاهدون البرامج الإسبانية، وكان طبيعياً أن يتحدثوا الإسبانية.

لذا، لم يضطر الإسبان، الذين كانوا يعيشون بينهم، إلى تعلم الدارجة المغربية.

هذا شاهدته مع صديقات جدتي من الإسبانيات، اللواتي كن يتحدثن بضع كلمات فقط بالدارجة، وبصعوبة يفهمنها.

لذا، كانت علاقتهن بمحيطهن محدودة.

أردت أن تفتح ماريا أنخيليس، في لحظة معينة، باب دارها لتغدو علاقتها بالزنقة التي تعيش فيها أعمق وأغنى، وتتيح تبادلاً وتكافلاً وتفاهماً بينها وبين الآخرين.

صحيح أن كارمن تعلمت بعض الكلمات بالدراجة، وربما كنت أستطيع تلقينها أكثر.

لكن، يجب أن نحسب أنها تبلغ 80 عاماً، ولو أمكَنها التحدث جملاً أكثر من ذلك بالدارجة، لأدمجتها بالفيلم.

(*) كيف تتعاملين مع التوازن بين شغفك بالأدب وخصوصية الكتابة السينمائية؟الكتابة لي أمر حيوي دائماً، فأنا بدأت عملي صحافية.

كنت دائماً في حاجة إلى التعبير عن نفسي بالكلمات، وهذا لا غنى عنه إلى اليوم.

شاءت الحياة أن أصبح مخرجة سينمائية، أولاً عبر الأفلام الوثائقية، ثم القصيرة.

لكن الأدب يظلّ المصدر الأول لإلهامي.

بوسعك وضعي في غرفة مع كتب، لأمكث فيها أياماً من دون أن أشتكي من شيء.

ما أحبه أيضاً في الأدب العلاقة التي تنشأ بين الشخصيات والقارئ، وقدرة النفاذ إلى عقل شخصية، وتمضية الوقت اللازم فيها، وسط تساؤلاتها، من دون الحاجة بالضرورة إلى التعبير عن ذلك بكلمات واضحة.

(*) ألهذا تهيمن الأماكن الداخلية على أفلامك؟ما أحبه في الكتابة ذلك الشعور بالتحرّر، وترك الأمور تنبثق من تلقاء نفسها.

أحياناً، أفاجأ بنفسي عندما أرى لماذا ظهرت شخصية ما في لحظة معينة، أو لماذا اتّخذت القصة منحى محدّداً.

أحياناً أخرى، بعد تصوير أفلامي ومشاهدتها مع الجمهور، أقول لنفسي: " آه.

الآن أفهم لماذا توجد هذه الشخصية".

هناك شيء حسي للغاية بداخلي، يعبّر عن نفسه بالألوان والروائح والصُّور.

صحيح ما قُلتَه عن أن المساحات الداخلية مهمة جداً لي.

أعتقد أنه يرجع إلى أني أحب الانعزال عن العالم أحياناً، وأكون حقاً داخل شخصياتي، وأجعل المُشاهِد ينغمس في عمقها وخصوصيتها لفهمها، وألا يقتصر الأمر على رؤيتها من الخارج.

يتعلق الأمر أيضاً بإيجاد المسافة المناسبة التي تكون أحياناً مسافة مُلاحَظة أو مُراقبة، من دون الوقوع أبداً في التلصص.

أن أكون مع شخصياتي بطريقة مختلفة، نوعاً ما.

هذا يأتي غريزياً.

(*) تحدّثتِ عن الحسية.

أعتقد أنها صفة مهمة لفهم نهجك.

يمكن ملاحظة ذلك بالطريقة التي تُعد بها سامية العجينة لصنع الرزيزة في" آدم"، أو كيف يخيط حليم التطريز فوق ثوب القفطان الأزرق.

نشعر أن التصوير يتمّ بطريقة تتسامى بحركات الحياة اليومية، وهذا يدين بالكثير لتعاونك مع مديرة التصوير فيرجيني سورديج.

كيف تعملين معها لإعداد الفيلم، ونبرة الصورة، وتدرّج الألوان؟هذا أساسي.

في الحياة عامة، أحب الوقوف عند التفاصيل.

أعتقد أننا نتجاهل غالباً التفاصيل، لأننا مستعجلون، ولأن الحياة تفرض علينا ذلك أحياناً.

علينا أن نركض من موعد إلى آخر.

نركض ونركض، ولا ندرك ما يحدث حولنا، ولا نأخذ الوقت اللازم لنتوقف عنده.

السينما لي تلك اللحظة السحرية التي يمكن فيها التوقف لوهلة، لمجرّد النظر والملاحظة والاستماع، فيمتدّ بنا الشعور بالزمن.

لسنا مضطرين إلى الإسراع في السينما.

هناك إيقاع معين في أفلامي نبني عليه لأنفسنا ترف القدرة على التوقف، لأني أحتاج إلى أن أتأمّل وأشعر بالأشياء.

تحدّثتَ عن مشهد سامية وهي تعجن.

هذه لحظة مهمة، تتواصل فيها مع نفسها ومع ما تفعله.

أعتقد أننا بصدد فقدان هذا التواصل مع ذواتنا في عالم يتسارع فيه كل شيء حولنا.

لذا، أحب أيضاً الحِرف اليدوية، وكيف تحافظ على صلة الحِرفي بنفسه، وبما يقوم به ويبتكره.

في كل مرة نصنع شيئاً، نضع جزءاً صغيراً من أنفسنا فيه.

كل تلك الساعات التي يمضيها الحِرفي في صنع القفطان تمثل جزءاً من روحه، يضعه في هذا الزيّ.

القفطان الأزرق مستوحى من قفطان أمي الذي لا يزال في حوزتي بعد نحو 60 عاماً على صنعه، ولا يزال حيّاً.

يحمل قصة الرجل الذي صنعه، وقصة أمي التي ارتدته سنوات عدّة، والآن أرتديه أنا بدوري.

اليوم، حلّت الآلة مكان كل ذلك.

جميل أن نتمكن من إيقاف الزمن بفضل السينما.

تعاوني مع فيرجيني سورديج مهم جداً لي، لأنها تفهم ما أسعى إليه.

سيناريوهاتي مكتوبة دائماً بشكل مفصّل، مع صُور وألوان وإضاءة.

ثم يبدأ البحث عن طريقة لإضفاء الحيوية على كل ذلك، وجعله يتجسّد في الواقع.

بالتالي، هناك عمل تحضيري كثير مسبق، وهذا أحب الاشتغال عليه.

أحب تمضية الوقت في البحث عن ديكوراتي.

أحرص على حضور كل عمليات تحديد مواقع التصوير، وأحتاج إلى الشعور بأن للجدران تاريخاً، وأنها مأهولة.

ثم يأتي العمل في موقع التصوير على الديكورات والألوان والأنسجة وتدرجات الضوء.

كل هذا مهم للغاية لي، وأستثمر وقتاً وجهداً كثيراً فيه.

لدى فيرجيني، التي عملت معي في كل أفلامي، حساسية جميلة للغاية، والأهم من ذلك، أننا نتفاهم جيداً، وأنها تعرف بدقة أين أريد الذهاب.

نتحدث كثيراً عن تطور الإضاءة في الفيلم، وما ترويه في كل مرة، لأنها في رأيي ناقلٌ أساسي للعواطف، ومرآة داخلية للشخصيات، وتمثل بالتالي جزءاً مهماً من السرد.

(*) استخدام الموسيقى في أفلامك مثير للاهتمام كذلك، أكانت أغاني، كأغنية" بَتْونِّس بيك" لوردة في" آدم"، أو أغنية التراث الريفي" كع كع يا زوبيدا" في" أزرق القفطان"، وكيف تبنين عليها مشهد موكب الجنازة في الختام.

كيف تختارين هذه الأغاني، وتتصوّرين الموسيقى التصويرية عامة، كالتي ألّفها كريستيان أندرسون لـ" أزرق القفطان"، وفرييا أردي لـ" زنقة مالقة"؟بالنسبة إلى الأغاني في كل الأفلام، لست أنا التي أختارها، بل إنها تختارني.

هناك أمور مهمة تبرز انطلاقاً من ذلك.

أنا من أصول ريفية من جهة أبي.

عندما أسمع" كع كع يا زوبيدا"، أشعر برغبة في الرقص.

الأمر أقوى مني.

شعرت مراراً مثل مينا، حين تستسلم للرقص على أنغامها في الفيلم.

لا أعرف لماذا، في لحظة ما، ظهرت هذه الأغنية في أثناء الكتابة، وعادت تطفو على السطح مرات عدّة.

أعتقد أن الأغاني جزء من ذكريات وأشياء مدفونة في أعماقنا.

توجد فينا لسبب ما، فتشكلنا، سواء أردنا ذلك أم لا.

أيضاً، تحضر ماريا دولوريس باديرا في" زنقة مالقة"، بأغنيتها Toda Una Vida.

كانت جدتي تستمع إلى هذه السيدة العظيمة في عالم الأغنية الإسبانية، التي ظلت رغم تقدّمها في السن تنشد، بصوت رائع وقوي جداً، كلمات جميلة للغاية.

ذات يوم، في فترة الكتابة، وكنت أصعد درج المنزل، دَهَمتني هذه الأغنية، التي لم أستمع إليها منذ 25 عاماً.

عندما بحثت عنها، واستمعت إليها، كأني عدت 25 عاماً إلى الوراء.

لم تفارقني إلى أن وجدت مكانها في الفيلم.

الأمر الرائع في الموسيقى أنها كالروائح والأذواق، تعيدنا إلى فترات من حياتنا.

الفرق أنك عندما تعيش أغنية في مراحل مختلفة من حياتك، تمثل أشياء مختلفة تماماً.

أنا حساسة جداً تجاه هذا.

الأغاني مؤشرات حسية لحياتنا.

بالنسبة إلى الموسيقى عامة، صحيح أني أحب الصمت.

في" آدم"، هناك" بَتْونِّس بيك"، ولا شيء غيرها.

لم تؤلَّف أي موسيقى خاصة للفيلم.

في" أزرق القفطان"، شعرت أني في حاجة إلى موسيقى داخلية.

هذا تطلّب جهداً كثيراً للعثور على موسيقى تناسب الفيلم، من دون أن تطغى عليه، وتكون حقاً أشبه بصوت داخلي للشخصيات.

في" زنقة مالقة"، بحثت عن الشيء نفسه رفقة المؤلفة فرييا أردي.

أعتقد أن الموسيقى يجب أن تحضر فقط عندما يكون وجودها ضرورياً.

لا أحب إطلاقاً الموسيقى التي تبرز العواطف، أو تحضر في أماكن تشعر أنها وُضعت فقط للمرافقة أو المساعدة.

أحتاج إلى أن تنبع من داخل الشخصيات، ثم ننساها في لحظة معينة.

تطبيق مرصد

تابع آخر تطورات الخبر لحظة بلحظة عبر تطبيق مرصد

تعليقات وتحليلات قراء مرصد
تنبيهات عاجلة بآخر التطورات
مصادر موثوقة وشاملة

احصل على تغطية شاملة للأخبار السياسية والتحليلات العميقة من مصادر متنوعة وموثوقة. تفاعل مع الخبر عبر التعليقات والمشاركة، وكن أول من يعلم بآخر التطورات.

حمّل تطبيق مرصد الآن مجاناً على Google Play

التعليقات (0)

لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!

أضف تعليقك