ليست المروءة خُلقاً يُنسب إلى الرجال وحدهم، ولا صفةً تحتكرها إمرأة دون غيرها، فكم من رجلٍ حمل من سمو الأخلاق ما جعله مأمناً للناس وموضع ثقتهم، وكم من إمرأةٍ اتَسع قلبها للنُبل حتى أصبحت مواقفها درساً في الشهامة، فالمروءة ليست نوعاً، بل روحاً عظيمة تسكن الإنسان.
هي ذلك النُبل الخفيَ الذي يجعل المرء يترفع عن الصغائر، ويختار الطريق الأثقل لأن فيه حقاً، ويصمت حين يكون الكلام أذى، ويعطي وإن لم يُطلب منه، ويحفظ الودَ حتى بعد إنطفاء الأسباب.
إن المروءة ليست في كثرة الفضائل التي نُعلنها، بل في الفضائل التي نفعلها دون شاهد، كأن تستر زلَة غيرك وأنت قادر على عرضها، وأن تحفظ السر بعد الخِصام، أن لا تستقوي بمعرفة، ولا بمنصب، ولا بلحظة ضعف مرت على شخص، تلك هي المروءة حين تتجلَى في صورتها النقية حيث تُقاس خيرية الإنسان حين مقدرته على الشر.
وما سقطت أغلب العلاقات من قِلَة المحبة بل من قِلَة المروءة، فكم من كلمة قيلت بلا شهامة فهدمت سنينٌ من الود، وكم من موقف صغير كشف فقر الأخلاق بالرغم من بريق الوجوه، فالمروءة ليست لُطفاً عابراً بل إنحيازٌ دائم للقيَم حتى حين تُصبح الأخلاق مُكلِفه، هي أن يبقى الإنسان وفياً لمبادئه عندما تمنحه الحياة مائة مُبرر للتخلي عنها.
إن أهل المروءات لا يُعرفون بالضجيج بل بالأثر، تجدهم في لحظات العسر أكثر الناس رفقاً، وفي مواطن الخلاف أكثرهم عدلاً، وفي لحظات القدرة أشَدهم رحمة، إذا وعدوا أوفوا، وإذا اؤتمنوا حفظوا، وإذا رحلوا تركوا خلفهم سيرةً تُشبه الضوء.
كما أن المرءة ليست ترفاً أخلاقياً، بل هي العمود الذي تستند إليه إنسانية الإنسان، فالعلم بلا مروءة قد يتحول إلى غرور، والقوة بلا مروءة قد تصبح بطشاً، والذكاء بلا مروءة قد يغدو وسيلةً للأذى البارد.
وفي هذا الزمن.
ربما أصبح الناس أكثر حاجة لفقه المروءة من حاجتهم إلى كثرة الكلام عن الأخلاق، لأن الأزمة لم تعُد في معرفة الصواب، بل في قِلَة الترفَع عنه عند الغضب والمصلحة والقدرة.
أخيراً.
الناس قد تنسى وجوهاً كثيرة، لكنها لا تنسى أبداً من كان معها ( إنساناً ) في زمنٍ شحَت فيه الإنسانية.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك