تشهد مالي منذ أسبوعين تصعيداً خطيراً في وتيرة الحرب المستمرة منذ أكثر من عقد، في تطور يعكس انتقال النزاع من تمردات محلية متفرقة إلى مواجهة أوسع تهدد بنية الدولة نفسها، وسط تحالفات مسلحة جديدة، وتراجع في نفوذ الحكومة.
وأعلن وزير خارجية مالي عبد الله ديوب اليوم الجمعة أن الحكومة ترفض التحاور مع" المجموعات المسلّحة الإرهابية"، بعد أقل من أسبوعين على هجمات غير مسبوقة شنّها مسلحون وانفصاليون من الطوارق على مواقع للمجلس العسكري الحاكم.
جذور الأزمة.
تمرد ينقلب إلى حرب مركبةوترجع جذور النزاع إلى عام 2012، عندما أطلق الطوارق تمرداً في شمال البلاد للمطالبة بالاستقلال أو الحكم الذاتي في إقليم" أزواد" وهو حلم طالما راودهم منذ تأسيس الدولة.
وسرعان ما استغلت جماعات مسلحة مرتبطة بتنظيم القاعدة حالة الفوضى، لتتمدد وتسيطر على مدن استراتيجية مثل تمبكتو وغاو.
ومع انهيار مؤسسات الدولة عقب انقلاب عسكري في العام نفسه، دخلت مالي في دوامة عدم الاستقرار، تكرست لاحقًا مع انقلابين جديدين في 2020 و2021، ما أضعف قدرة الحكومة على فرض السيطرة على كامل أراضيها.
يتقدم الأطراف المتصارعة الجيش المالي الذي يقود البلاد عبر مجلس عسكري انتقالي منذ عام 2020، في مواجهة جماعات مسلحة أبرزها" جماعة نصرة الإسلام والمسلمين" المرتبطة بتنظيم القاعدة، بالتوازي مع استمرار حركات الطوارق الانفصالية على رأسها جبهة تحرير أزواد المطالبة بحكم ذاتي أو حتى استقلال شمال البلاد في إقليم أزواد.
بالتزامن وفي ظل هذا المشهد المضطرب، برزت قوى دولية، لا سيما روسيا، عقب انسحاب فرنسا وبعثة الأمم المتحدة، من خلال حضور عسكري غير مباشر يتمثل في مجموعة" فاغنر" أو ما يُعرف ب" الفيلق الإفريقي".
فيما حول هذا التداخل النزاع إلى صراع متعدد المستويات، تتداخل فيه الأبعاد المحلية مع المصالح الإقليمية والدولية.
وكان التصعيد بلغ ذروته في أواخر أبريل 2026، عندما شنت جماعات مسلحة هجمات منسقة وواسعة النطاق، استهدفت مواقع عسكرية ومدناً رئيسية، بما في ذلك العاصمة باماكو.
أما اللافت في هذه الهجمات فكان التحالف غير المسبوق بين الجماعات المسلحة والطوارق، في إعادة إنتاج لتفاهمات سابقة تعود إلى بدايات الأزمة عام 2012.
وأسفرت الهجمات في 25 أبريل عن مقتل وزير الدفاع المالي، ساديو كامارا، واستهداف مراكز استراتيجية للحكم، في مؤشر واضح على انتقال الصراع إلى قلب السلطة.
وكانت مدينة كيدال الاستراتيجية في إقليم أزواد قد سقطت قبل عشرة أيام بيد جبهة تحرير أزواد بعد معارك ضارية مع القوات المالية والفيلق الإفريقي دامت يومين.
هذا ويرى محللون أن هذه التطورات تعكس تحولاً نوعياً في طبيعة النزاع، من حرب أطراف إلى صراع مباشر على السلطة داخل الدولة.
اتساع نفوذ الجماعات المسلحةكما تزامن هذا التصعيد مع تراجع ملحوظ في سيطرة الدولة على مناطق واسعة، خاصة في الشمال والوسط، حيث تمكنت الجماعات المسلحة من بسط نفوذها على أجزاء مهمة من البلاد.
كذلك ساهم انسحاب القوات الفرنسية والأممية في تعميق الفراغ الأمني، رغم دخول عناصر روسية لدعم الجيش المالي، دون تحقيق استقرار فعلي.
تداعيات إنسانية واقتصادية قاسيةفي حين انعكست الحرب بشكل مباشر على الوضع الإنساني، حيث تجاوز عدد النازحين داخليًا 1.
8 مليون شخص بينما يواجه نحو 3.
5 مليون خطر انعدام الأمن الغذائي، كما أن قطاعات الصحة والتعليم في مناطق النزاع منهارة.
كما يعاني الاقتصاد من تراجع حاد نتيجة العقوبات والعزلة، وتدهور الأمن، ما يفاقم معاناة السكان.
ولم يعد الصراع محصوراً داخل مالي، بل أصبح جزءاً من أزمة أوسع في منطقة الساحل، حيث تنشط الجماعات نفسها في النيجر وبوركينا فاسو، ما يهدد الاستقرار الإقليمي.
في ضوء المعطيات الحالية، تبدو فرص الحل السياسي محدودة، خاصة مع استمرار ضعف الدولة، وتفاقم الانقسامات العرقية، وتعدد الفاعلين المسلحين وفشل المقاربات العسكرية التقليدية.
وبينما تتجه البلاد نحو مرحلة أكثر تعقيداً، حذر مراقبون من أن مالي قد تتحول إلى بؤرة طويلة الأمد لعدم الاستقرار في غرب إفريقيا، ما لم تُعالج جذور الأزمة السياسية والتنموية، إلى جانب المسار الأمني.

التعليقات (0)
لا توجد تعليقات حتى الآن. كن أول من يعلق!
أضف تعليقك